محمد حجازي يكتب: إتفاق التهدئة بين حماس و إسرائيل.. في ميزان السياسة والإقتصاد ( 1ـ 2 )

 

تطرح التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل الكثير من التساؤلات، لأنها مرتبطة بدرجة رئيسة بمستقبل قطاع غزة وأكثر من ذلك بمستقبل القضية الفلسطينية، لأنَ رؤية حركة حماس للتهدئة ترتكز بدرجة أساسية على تعزيز قدرتها على السيطرة على القطاع، لذلك فإنَ قيادة حركة فتح ومعها العديد من الشخصيات الوطنية والفصائل، تعتبر التهدئة مقدمة لإنشاء كيان خاص بحركة حماس يمهد الطريق للفصل التام  بين القطاع والضفة الغربية.

حركة حماس حسمت أمرها منذ أكثر من عامين في خيار غزة أولا أي كيانية خاصة بها، ومنذ ذلك الوقت تقوم حركة حماس بإجراءات على الأرض لتقوية سيطرتها على القطاع، ومن هذه الإجراءات سعيها الحثيث للتوقيع على هدنة طويلة الأمد مع حكومة نتياهو، ظنا منها أنها ومن خلال بنود التهدئة تستطيع حل كافة مشاكلها المالية، وخاصة موضوع تأمين الرواتب لعناصرها، إلى جانب مشاكل القطاع بشكل عام من كهرباء ومياه وتشغيل ومشاريع البنية التحتية.. إلخ.

تدرك حركة حماس أن الوضع البائس الذي يعيشه المواطن الفلسطيني لا يمكن تحمله وأن أهالي القطاع لن يسكتوا، وخير دليل على ذلك “هبة بدنا نعيش” كانت احتجاجات عفوية ضد الظلم والوضع القائم وسياسة رفع الضرائب التي فرضتها حكومة حماس، وقد كان الحل عند حركة حماس هو المواجهة الأمنية العنيفة حيث زج المئات من الشباب الفلسطيني في سجونها.

الاجراءات التي اتخذتها قيادة السلطة في تقليص موازنتها الشهرية التي تدفعها للقطاع ظنا منها أنها ستدفع حركة حماس للتنازل كثيرا وقبولها بالمصالحة، ولكن قيادة السلطة تنسى أنها تتعامل مع حركة إسلام سياسي لا تستسلم بسهولة، والخاسر في هذه المعادلة الخاطئة كان المواطن، فالفقير ازداد فقرا والطبقة الوسطى معظمها انضم للفقيرة، تقليص رواتب موظفي السلطة إلى ما دون 50 بالمئة، وإحالة المئات على التقاعد، فاقمت الوضع البائس وخاصة لدى الشباب، فبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2017 أكثر من نصف المجتمع هم من الشباب والشابات نسبة كبيرة منهم يحملون شهادات جامعية، نسبة البطالة في إطار الشباب الخريجين تقترب من مئة بالمئة، حيث يوجد 170 ألف خريج عاطلين عن العمل في ظل واقع مرير،  بدون أي أفق منظور، فمعظمهم يتطلع إلى حلم الهجرة وهي مكلفة جدا، رغم وجود العديد من الشباب الذي استطاع الهروب من الجحيم نحو المنافي عرضة للغرق والنصب والاحتيال من قبل مافيات الهجرة، يدرس في الجامعات الفلسطينية حوالي 84 ألف طالب وطالبة بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2017، أي مستقبل ينتظرهم في ظل بقاء الوضع على حالة، يضاف إلى مشاكل الشباب البيئة الاجتماعية القاسية، وهناك العديد من المشكلات الاجتماعية، تولدت عبر سنين الانقسام، والذي ترك شرخا بين عائلات الفصائل الفلسطينية، وفي داخل العائلة الواحدة، بفعل التجاذب السياسي.

وبمقارنة بسيطة بين حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بحسب كتاب غازي الصوراني “اقتصاديات قطاع غزة تحت الحصار والانقسام”  طبعة أولى 1 شباط 2019 صفحة 49، بين قطاع غزة والضفة الغربية بلغت 2.923.4 ، بواقع 3.762.4 في الضفة الغربية ، مقابل 1.741.6  في قطاع غزة خلال عام 2017، والصورة أصبحت أكثر بؤسا في عام 2018 والنصف الأول من عام 2019 ويضيف الصوراني من نفس المصدر السابق صفحة 18، أن أكثر من 80 بالمئة من سكان القطاع البالغ عدد سكانه حوالي 2 مليون نسمة يعيشون في فقر مدقع، يعتمدون بنسبة عالية في تأمين مستلزماتهم المعيشية على ما تقدمه الوكالات الدولية وخاصة الأونروا من كوبونات – مواد غذائية – هذا يزيدهم إحباطا و يأسا، ويلاحظ أيضا استمرار تراجع معدلات النمو حتى أصبحت في السالب في الربع الأول من عام 2017 إلى ناقص 2.9 بالمئة.

رؤية حركة حماس ببقاء السيطرة على قطاع غزة وعدم الذهاب إلى إنهاء الإنقسام، تلتقي مع رؤية نتنياهو لقطاع غزة إلى حد ما ولكن من جهة مختلفة، والتي عبر عنها في أكثر من مناسبة، خاصة تلك التي أدلى بها في فترة الانتخابات الأخيرة وخاصة حديثه يوم 18 آذار الفائت في اجتماع الليكود، الذي نشر في صحيفة جورزاليم بوست الإسرائيلية حيث قال: ينبغي على من يعارض في “إشارة لخصومه” قيام دولة فلسطينية، أن يدعم خيار تحويل الأموال لغزة، للإبقاء على الانفصال بين الضفة والقطاع، وللحيلولة دون إنشاء دولة فلسطينية، أورد موقع “واي نت” الإسرائيلي مساء 23 آذار خبرا مفاده أن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي وجه تعليماته للجيش الاسرائيلي بأن يستعد لثلاثة خيارات للتعامل مع قطاع غزة كان قد حددها الكابنيت الاسرائيلي، وهي شن حرب واسعة في الصيف المقبل أو التوصل لتهدئة بين حماس وإسرائيل أو مسار اقتصادي بديل للحرب.

حركة حماس من جهتها وعلى لسان أكثر من مسؤول، تعتبر أن التهدئة هي خيار ملح لها، لأن هناك اعتقادا بأن بنود التهدئة وخاصة التي لها علاقة بالجانب الاقتصادي كفيلة بحل جزءا كبيرا من مشاكل القطاع الاقتصادية، ففي لقاء عقده رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية مع مجموعة من الكتاب الفلسطينيين يوم الثلاثاء 2 أبريل الماضي، قدم هنية شرحا مطولا لمزايا التهدئة والتخوفات التي من الممكن أن تنشأ ووصفها بذات بعد إنساني ولخصها بالتالي: إقامة منطقتين صناعيتين في منطقة كارني “معبر تجاري تحت السيطرة الإسرائيلية” ومنطقة إيرز شمال قطاع غزة بالقرب من معبر الأفراد تستوعب الآلاف من العمال، ولكنه أكد على ضرورة البحث عن المستثمرين، وهي باعتقادي مسألة شاقة لأن البيئة السياسية والأمنية في قطاع غزة طاردة لرأس المال، ومن يغامر في وضع أمواله في بيئة مضطربة؟.

وأضاف هنية إننا ننتظر تحويل المال القطري بواقع من 35 إلى 40 مليون دولار شهريا مقسمة على بند الرواتب والتشغيل المؤقت وتوزيع سلات غذائية على المحتاجين والفقراء، وعن الكهرباء قال إن هناك مشاريع قطرية أخرى لتغذية القطاع بخط آخر من الخطوط الإسرائيلية، إلى جانب تحويل محطة الكهرباء الفلسطينية والتي تعمل بالديزل الصناعي وهو مكلف إلى الغاز الطبيعي الأقل تكلفة، وأضاف هنية أنه يجري التفاوض مع الطرف الإسرائيلي بوساطة مصرية عن إنشاء ميناء على شاطئ القطاع للأفراد والبضائع .