محمد حجازي يكتب: إنهاء الانقسام الفلسطيني.. مهمة صعبة

 

لم تحظ رؤية الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة حول انهاء الانقسام باهتمام الشارع الفلسطيني، الذي يدرك أن الوثيقة الني صدرت عن الفصائل ستنضم لمثيلاتها من الاتفاقيات التي علا الغبار ملفاتها، ذلك لأن الشارع الفلسطيني خبر النيات، وعدم جدية الأطراف لإنهاء هذا الملف الهام جدا في هذه المرحلة، فإذا لم يتوحدوا إزاء المخاطر الجسيمة التي تعترض القضية الوطنية فهل يتوحدوا إزاء وثيقة أخرى زائدة عن الحاجة؟.. لم يتوحدوا ردا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ولا حين أصدر الرئيس ترامب قراره باعتبار القدس الكبرى عاصمة إسرائيل، ولا حين أصدر الكنيست الإسرائيلي قانون القومية الذي يضع حدا لحل الدولتين، ويشكل خطرا على جماهير شعبنا في 48، ولا مشاريع الاستيطان التي تضاعفت أكثر من سبع مرات منذ اتفاقيات أوسلو إلى الآن، ولا تلويح الإدارة الأمريكية بالإعلان عن صفقة العصر، ولا حتى قطع المساعدات عن السلطة الوطنية والأونروا تمهيدا لإحالتها على التقاعد، والمس بوحدة اللاجئين الفلسطينيين من خلال تجزئة الحل والمس بجوهر قضيتهم السياسي والقانوني والاجتماعي، لذلك لم يهتم الشارع الفلسطيني أو يلتفت إزاء أي صيغ أو مقترحات جديدة، لأنهم بالأصل لم يتوحدوا إزاء القضايا الكبرى.

حسمت حركة حماس أمرها منذ فترة ليست بسيطة بغزة أولا، حيث السيطرة والنفوذ القوي وحماية الجماعة، وارتبطت مصالح حركة حماس بقطاع غزة بشكل مباشر ولصيق، لأن القطاع المحاصر والمهمل مازال  يوفر لها أمولا من خلال الضرائب، وهي على كل حال نشطة جدا في هذا المجال توفر رواتب مؤسساتها وهيئاتها بشكل نسبي لا بديل عنه، مستندة في ذلك لمؤسسات قوية، أمنية ومدنية واقتصادية مريحة إلى حد ما، لذلك في جولة الجوار الأخيرة بين حركة فتح وحماس قبيل حادثة التفجير لموكب رئيس الحكومة د. رامي الحمد الله برفقة رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ما جد فرج، كان الخلاف بين الحركتين يتعلق بمسألة تسليم الجباية والمعابر والقضاء وسلطة الأراضي لحكومة الوحدة الوطنية،  الأمر الذي شكل حرجا لحركة حماس، فهذه الملفات حيوية جدا للحركة، وخاصة ملف الجباية الذي إذا سحب من يد حركة حماس سيضعف قدرتها المالية بشكل كبير وحاسم للصرف على مؤسساتها وأعضائها، وبالتالي فشلت المحاولة في تطبيق ما توافقوا عليه في القاهرة “اتفاق 2017 واتفاق الشاطئ لاحقا” وانتهى أمل الفلسطينيين بعدم الوحدة وانهاء الانقسام البغيض.

في الجهة المقابلة تسعى السلطة الفلسطينية وقيادتها من الدفاع عن نفسها من خلال إرسال عدة رسائل خاصة للإدارة الأمريكية وإسرائيل بأن لدينا القدرة على تعطيل أي مسار تسوية للقضية الفلسطينية لا يضمن إنشاء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس وعلى حدود عام 67 مع تبادل بالأراضي بسيط بالقيمة والمساحة، ولكن السلطة وجدت نفسها في موقف صعب جدا من خلال وقف كل أشكال الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية عقابا لها، سواء للموازنة العامة للسلطة أو للمشاريع أو للأونروا، وهذا المبلغ بمجمله يصل إلى أكثر من مليار دولار أمريكي سنويا، وزاد من تعقيد المشهد حجز إسرائيل لأموال المقاصة الفلسطينية والتي تجبيها بحسب بروتكول باريس الاقتصادي وسيطرة إسرائيل على المعابر، كل هذه المواقف بسبب موقف السلطة من صفقة القرن، وجدت نفسها السلطة الفلسطينية تتعرض لسياسة تهميش تدريجي خلال سنوات الرئيس ترامب ونتياهو، رافق ذلك تراجع في الدعم المقدم للسلطة الفلسطينية سواء من العرب أو أوروبا، وهنا الخطر الكبير فيما إذا قررت إسرائيل وأمريكا  إقصاء لدور السلطة عن المشهد السياسي، عقوبة لها على رفضها شروط الاستسلام التام من خلال صفقة القرن، لذلك نرى السلطة تحاول حماية الوضع الراهن حفاظا على وجودها وعلى مصالح فئات مستفيدة من الوضع الراهن للحفاظ على مراكزها، سواء سياسية أو إدارية.

فشل المصالحة رافقه سعي حركة حماس لعقد اتفاق التهدئة مع إسرائيل، لاعتقادها بأن التهدئة ستوفر لها مناخا اقتصاديا يساهم في حل مشاكل قطاع غزة الذي يرزح تحت الفقر والبطالة، ولكن أعتقد أن حركة حماس لم تستوعب الدرس الذي حدث مع ياسر عرفات، لأن أي اتفاق مع إسرائيل سيكون خاضعا لموازين القوى ولرؤيتها لقطاع غزة، والمتخلصة في عزل القطاع عن الضفة الغربية ومدينة القدس والحفاظ على الانقسام الفلسطيني لمنع إنشاء دولة فلسطينية.. هكذا قال نتياهو في أكثر من موضع.

يدرك الوطنيون الفلسطينيون أن لا خيار لهم إلا بوحدتهم السياسية، ولكن هذه الوحدة و للأسف الشديد باتت مستحيلة لأنها مرتبطة بقرار خارجي ومتغيرات من الممكن أن تحدث في الإقليم.