محمد حجازي يكتب: اتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل في ميزان السياسة والاقتصاد (2 ـ 2)

 

وظفت حركة حماس مسيرة العودة  في خدمة اتفاق التهدئة مع اسرائيل، وربطت وتيرة التصعيد بالتقدم في المفاوضات، التي كانت تجري بوساطة مصرية. في الفترة الأخيرة بعد نجاح الجهود المصرية أوقفت حركة حماس الأدوات الخشنة من المسير البحري والإرباك الليلي والبالونات الحارقة، علما بأن مسيرة العودة انطلقت منذ البداية للتأكيد على حق العودة، ردا على رؤية الإدارة الأمريكية بتجاوز حق العودة، ولكن ربطت حركة حماس مسيرة العودة بفك الحصار، وبالتالي أفرغت مسيرة العودة من جوهرها الذي انطلقت من أجله واكتفت بشعار فك الحصار.

إن المبالغة في تقدير منافع التهدئة سينعكس سلبا على حركة حماس، لأن حسابات نتنياهو السياسية لها أهدافها، خاصة أن هناك ميلا لتجاهل الأضرار السياسية الخطيرة التي من الممكن أن تنشأ للقضية الفلسطينية، وفي مقدمة ذلك المساس بوحدة شعبنا من خلال ذهاب القطاع لسيناريو يعد له في أروقة صناع القرار في الإدارة الأمريكية واسرائيل، لأن سياسية إسرائيل للتعامل مع الفلسطينيين هي التجزئة، أي تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى معازل سكانية وضم مناطق  (c)   إلى السيطرة الإسرائيلية وإلى جانب ضم الأغوار بالكامل ومستوطنات الضفة الغربية، ولتنفيذ هذا الحل يجب أن تكون البداية من قطاع غزة، لأن مشكلة إسرائيل مع قطاع غزة هي الكتلة البشرية سريعة الزيادة في منطقة بلا موارد، وغير صالحة للحياة بحسب تقرير الأمم المتحدة، لذلك إسرائيل تخشى أن ينفجر القطاع في وجهها من خلال اقتحام الحدود الصناعية مع أراضي فلسطين التاريخية، لهذا تسعى إسرائيل وعبر مراكز الدراسات لإيجاد حل لهذه الكتلة البشرية، ففي مقابلة صحفية أجرتها صحيفة معاريف العبرية يوم 25 آذار 2018 مع غيورا آيلاند حدد الخارطة السكانية الجديدة لقطاع غزة، بضم أراضي واسعة في سيناء، ولكن من المفيد أن نقول إن خطط إسرائيل والإدارة الأمريكية ليست قدرا على الفلسطينيين، لأن شعبنا مازال يمتلك قدرات كبيرة لوأد المؤامرة، وأن الوقت لم يفت، فمازال هناك إمكانية للحوار لإنجاز التوافق بين حركتي فتح وحماس، والاتفاق على برنامج توافقي تشاركي يساعد على استعادة وحدة مؤسساتنا الوطنية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كل المعطيات الاقتصادية تقول إنه لا يمكن حل مشاكل قطاع غزة بدون أن يكون جزءًا كاملا من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية، لأن الموازنة العامة للسلطة الموحدة في حال إنهاء الانقسام لعام 2018، وبحسب بيان مجاس الوزراء – نشر في وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” يوم 27 شباط 2018، تقدر بحوالي 5.8 مليار دولار، تستطيع تقديم حلول أفضل من الوضع الراهن نسبيا، وتوفير آلاف الوظائف لفئة الخريجين، إلى جانب أنه عندما تكون السلطة موحدة هذا يشجع المانحين سواء من العرب أو الأوروبيين من تقديم الأموال اللازمة لإعادة إعمار القطاع المدمر والمتهالك.

نعلم أن قطاع غزة يحتاج إلى أكثر من 250 مليون دولار شهريا كموازنة تشغيلية بحسب التقديرات الاقتصادية والشخصية بحكم عملي، المبالغ القطرية التي من الممكن أن تدفع لحركة حماس تبلغ من 35 – 40 مليون دولار، جزء منها لموازنة الرواتب “موظفي حماس” وجزء آخر لبرامج التشغيل حوالي 5 ملايين، وجزء لتشغيل محطة الكهرباء مع وعود قطرية أيضا لتحويلها للغاز بدلا من السولار الصناعي ذي التكلفة العالية، وبالتالي هل هذه الأموال تكفي لإحداث تنمية اقتصادية اجتماعية مستدامة؟.. الجواب بالتأكيد: لا.. الفئة الأكثر تهميشا وتضررا هي فئة الشباب وخاصة الخريجين لن يستفيدوا كثيرا من هذه الأموال.

وبشأن المواقف الإسرائيلية من التهدئة، نشرت صحيفة “عرب 48” يوم 5 آب 2018 مجموعة من المواقف لأعضاء الكابنيت المصغر الإسرائيلي بعد انتهائه من مناقشة التهدئة، وزير الإسكان الإسرائيلي يوآف غالانت قال: إن التهدئة مع حركة حماس هي مصلحة إسرائيلية أمنية لإسرائيل، وقدر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أن مواجهة عسكرية شاملة بهذه المرحلة، بمثابة خيار سيء بالنسبة لإسرائيل، موضحًا أنه في حال ضمنت التهدئة المصالح الأمنية لإسرائيل فلا بد من دعمها وتثبيتها، مع الحفاظ على احتياجات سكان القطاع الإنسانية وإنجاز صفقة التبادل، في موضوع الميناء والمطار، برزت عدة خيارات للميناء منها وبحسب صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية 17 آب 2018، أوردت خبرا يقول بتخصيص مسار بحري بين قطاع غزة وقبرص، تحت إشراف ورقابة أمنية إسرائيلية، وخيار آخر مثل ميناء تحت سيطرة إسرائيلية كاملة في مدينة المجدل المحتلة للبضائع الفلسطينية، وخيار أن يكون في داخل الحدود المصرية في منطقة العريش بالقرب من الحدود مع قطاع غزة، ومن هنا فإن موضوع الميناء غير محسوم ولا يوجد تفاصيل واضحة سوى ما تتحدث به حركة حماس، أما موضوع المطار فلا أعتقد أن إسرائيل ستوافق عليه لاعتبارات أمنية، إلى جانب الصعوبات اللوجستية فهو خارج الحسابات الإسرائيلية.

وفي السياق ذاته كتب دينس روس وديف هاردن وديفيد ماكوفسكي مقالا نُشر في “ذي هيل” بتاريخ 13 أيلول 2018 بعنوان صيغة جديدة للمساعدات الأمريكية المقدمة للفلسطينيين، يحتوي المقال على اقتراح مقدم لإدارة ترامب عن كيفية تدوير المساعدات الأمريكية التي تم الغاؤها عن السلطة الفلسطينية، بحيث يوجه جزء منها لإنشاء مشاريع حيوية في قطاع غزة والضفة الغربية، من شأن هذه المشاريع أن تجعل الحياة أسهل للسكان، خاصة في قطاع غزة، وبمعنى آخر أن نتنياهو ومؤسساته الأمنية باتوا يدركون أنه إذا لم يكن لدى الفلسطينيين ما يخسرونه، ستكون احتمالات انفجار الوضع مرتفعة.

ما يحدث مع قطاع غزة بشأن موضوع التهدئة ليس بعيدا عما يدور في الإدارة الأمريكية من أجل تمرير صفقة القرن “الاقتصاد والمال مقابل السياسة” يقترح الباحثون على الكونغرس الأمريكي ثلاث توصيات لإعادة جدولة المساعدات المالية والبالغة 200 مليون دولار أمريكي – تمويل مشروع حقل شمسي صغير يولد الطاقة اللازمة لتشغيل محطة تكرير الصرف الصحي، وتدعيم الوحدات الشمسية لتحلية المياه الموجودة داخل المجتمعات المحلية، والمدعومة من معهد اتشوستس ماس للتكنولوجيا – توسيع التجارة بين الفلسطينيين والاسرائيليين بشكل كبير، وفيما يخص قطاع غزة يقترح الباحثون الثلاثة تنمية قطاع النسيج والفواكه والخضراوات الطازجة، وممكن استئناف العلاقات بين الطرفين في غضون أشهر عند فتح معبر كرم أبو سالم بشكل مستدام وفتح معابر تجارية إضافية مثل بيت حانون.

إذا كانت إسرائيل والإدارة الأمريكية تعتبران قطاع غزة معضلة كبيرة، ذلك لأن المشكلة الأساسية لإسرائيل مع قطاع غزة هي الكتلة السكانية التي تقترب من 2 مليون إنسان وتمتاز بالزيادة المضطردة، يعيشون في منطقة فقيرة بالموارد والمساحة التي تبلغ 365 كيلومترا مربعا، حاولت إسرائيل دفع السكان الفلسطينيين في قطاع غزة نحو سيناء من خلال مشاريع اقتصادية وإسكانية لحل مشكلة الكثافة السكانية، وفي هذه المعادلة وجب على الفلسطينيين أولا رفض فكرة التوطين في سيناء، لأن حل القضية الوطنية الفلسطينية لا يتم على حساب أرض عربية، بل بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون 66.2 بالمئة بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2017 من عدد السكان في قطاع غزة إلى أملاكهم وأراضيهم التي احتلت عام 1948.

إن المدخل الرئيسي لحل مشاكل قطاع غزة، هو بإنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة وفق الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، لا خيار أمام الفلسطينيين إلا بوحدتهم السياسية، فبدونها يستفرد الاحتلال بالفلسطينيين وفق رؤية تجزئة الحل أي تحويل الفلسطينيين إلى جماعات متفرقة ومتعادية.