محمد حجازي يكتب: اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية وسيلة ابتزاز اسرائيلية رخيصة

 

أصدر المجلس الوزاري المصغر الاسرائيلي يوم 17 فبراير من العام الحالي،  قرارا باقتطاع حوالي نصف مليار شيكل من قيمة الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل، بحسب بروتكول باريس الاقتصادي لصالح السلطة الفلسطينية، الذي يسمح لإسرائيل بالهيمنة على عائدات الضرائب الفلسطينية من خلال اقتطاع 3 بالمئة من قيمتها لصالح الخزينة الاسرائيلية.

دولة الاحتلال الاسرائيلي ومنذ إنشاء السلطة الفلسطينية بحسب اتفاقيات أوسلو، تستخدم عائدات الضرائب الفلسطينية كسلاح وابتزاز ضد الفلسطينيين في القضايا السياسية. قامت إسرائيل بقرصنة وتجميد العائدات الضريبية الفلسطينية “المقاصة” ثماني مرات خلال الخمس وعشرين سنة الماضية: في صيف 1997، وفي ديسمبر 2000، وفي مارس 2006 حيث استمر الحجز والقرصنة لمدة سنة ونصف حتى يوليو 2007 عام الانقسام الفلسطيني، وأيضا في أعوام 2011، و2012، و2015، اضافة للعام الحالي الذي أقر به الكنيست ولأول مرة في 8 يوليو من العام الماضي،  قانون سماه “قانون تجميد مخصصات الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم”، حيث بلغ قيمة الخصم   502,7 ألف شيكل وتساوي 138 مليون دولار امريكي، ويساوي هذا الخصم حوالي 70 بالمئة من مجمل قيمة الضرائب الفلسطينية، الداخلية والخارجية، علما بأن نسبة المقاصة المقتطعة تساوي 51 بالمئة من قيمة الموازنة الشهرية التشغيلية للسلطة الفلسطينية، والخصم سيتم بشكل تدريجي على مدى 12 شهرا،  بواقع 41,8 مليون شيكل أي 11 ونصف مليون دولار أمريكي، مع العلم بأن فاتورة الرواتب الشهرية للسلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع تبلغ 60 بالمئة من قيمة الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية، وهي نسية عالية جدا حسب المقاييس الدولية، وهذه النسب تؤشر لمدى تحكم الاحتلال بالضرائب الفلسطينية والتي هي شريان الحياة للشعب الفلسطيني.

بدون أدى شك أن قرصنة الضرائب الفلسطينية من قبل الاحتلال تؤثر تأثيرا مباشرا على حياة الفلسطينيين، بحيث أن كل بيت سيتأثر بذلك، اسرائيل تحاول فرض شروطها على السلطة الفلسطينية، من خلال استخدام ورقة الضرائب وهي مؤثرة جدا، خاصة وأن اعتماد الفلسطينيين على هذه الضرائب كبير جدا، ولكن الخصم والقرصنة هذه المرة يختلف كثيرا عن سابقاتها، تحاول حكومة نتنياهو فرض معادلة جديدة على الفلسطينيين، الضرائب مقابل التنازلات السياسية، أي توقف دفع رواتب الأسرى وعائلاتهم إلى جانب عائلات الشهداء مقابل وقف التجميد، وهذه المعادلة من الصعب أن يقبل بها أي فلسطيني، لأن القضية بالأساس هي الاحتلال الكولونيالي لأرض فلسطين التاريخية وهي سياسية بامتياز، فمكانة المناضلين من أجل الحرية “الأسرى” إلى جانب الشهداء الفلسطينيين  كبيرة جدا، وهي أيقونة يتغنى الفلسطينيون بها، فالمس بهذه القضية خط أحمر، لذلك المعركة هذه المرة تمس وجدان كل فلسطيني والتنازل فيها يعني التنازل عن القيمة الوجدانية والمعنوية للفلسطينيين، إلى جانب المسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه هؤلاء المناضلين وعائلاتهم.

رفض السلطة الفلسطينية استلام قيمة المقاصة المصادر جزء منها له ما يبرره، سواء من الناحية السياسية أو الأخلاقية، ولكن السؤال: إلى متى تستطيع السلطة الفلسطينية الصمود بدون أموال المقاصة؟.. هذا سؤال صعب لأن القضية تمس الشهداء والأسرى وعائلاتهم، خاصة أن البدائل محدودة جدا. في المصادرات السابقة للمقاصة كان العرب يحددون شبكة أمان مالية للسلطة تدفع عن طريق الجامعة العربية، والتي حددت المبلغ بـ 100 مليون دولار شهريا، وإن لم يتم الالتزام بها كثيرا، ولكن ما كان يصل كان يساعد في تدبر الحال، وخاصة في تأمين جزء من فاتورة الرواتب لموظفي السلطة، وعلى رأسهم عائلات الشهداء والأسرى.

وأمام هذه التحديات وجب على السلطة الفلسطينية تحديد رؤية عن كيفية المواجهة حتى يتم تأمين صمود الفلسطينيين، هذه الرؤية تستند إلى عدة مسارات: الأول هو محاولة تدبير احتياجات الناس من خلال جهد داخلي يعتمد على الإقراض من البنوك، ولكن هذه يحتاج لضوابط، ودور للرأسمال المحلي، ولكن يجب أن يرافق ذلك سياسة تقشف وتقنين المصاريف للحد الأدنى. والمسار الثاني هو التحركات الخارجية سواء على الصعيد العربي أو الدولي، فمن المهم التوجه للجامعة العربية لتفعيل شبكة الحماية المالية للفلسطينيين، وهذا يحتاج لجهد فلسطيني كبير مع مختلف الدول العربية، وهي مسؤولية قومية. وعلى الصعيد الخارجي ولأن هذه القرصنة للمقاصة تخالف القانون الدولي، وتخالف ما نص عليه بروتكول باريس الاقتصادي، من أن تلتزم اسرائيل بتقديم ما يجمع من الضرائب الخارجية الفلسطينية كل شهر بدون تأخير، وجب على الفلسطينيين الذهاب لمقاضاة إسرائيل في المؤسسات الدولية، وخاصة محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، إلى جانب إعادة  الذهاب لمجلس الأمن الدولي حتى تشعر اسرائيل أن هناك من يسعى لمعاقبتها.