محمد حجازي يكتب: الانتخابات الفلسطينية مرة ثانية.. أسئلة مُحرجة

 

حكمت الحالة الفلسطينية منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ثنائية الصراع بين يمين ممثل بحركة فتح ويسار ممثل بالجبهتين الشعبية والديمقراطية. كانت حركة فتح حريصة على هيمنتها على القرار الفلسطيني وفق نظرية “النصف زائد واحد” والتفرد في قيادة المؤسسات الفلسطينية، إلاَ أن العلاقة بين الطرفين كانت تميل إلى التوافق والتفاهم على برنامج سياسي موحد، سُمي في ذلك الوقت ببرنامج النقاط العشر أو برنامج الحد الأدنى، ولكن بالمجمل كان الرئيس الراحل ياسر عرفات حريصا على علاقته الخاصة مع جورج حبش ونايف حواتمة لضمان بقاء التمثيل السياسي حتى ولو كان بحده الأدنى.

بعد اتفاقيات أوسلو وقدوم منظمة التحرير وفصائلها إلى أرض الوطن، اختلفت المعادلة كثيرًا، أصبحت حركة فتح ومنظمة التحرير في مواجهة تصاعدية مع الاتجاهات الإسلامية التي بدأت مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 78، وانتهت مع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة المسلحة ضمن ملابسات وسياقات عديدة، ولكن ما يهمنا هنا هو ثنائية الصراع التي تطورت إلى صراع مسلح على السلطة، وولَدت الكثير من الأضرار السياسية والاجتماعية على بنية الحالة الفلسطينية، رغم كل الأحداث الجسام التي حدثت للقضية الفلسطينية والمآسي التي ولدها الانقسام، خاصة في قطاع غزة حيث الفقر والبطالة وصلت إلى حد غير مسبوق، بقي الصراع بين الوطني ومرجعياته الوطنية والإسلامية ومرجعياته الفكرية والتنظيمية مع حركة الإخوان المسلمين، قسم الشارع الفلسطيني وأدى إلى استقطاب حاد بين الطرفين وفق معادلة الدفاع عن الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاسلاميين، لذلك كان من الصعب على الفلسطينيين الانفكاك من هذه الثنائية، بحيث وصلنا إلى نتيجة أن حركتي فتح وحماس تتقاسمان حوالي 80 بالمئة من أصوات الناخبين في أي انتخابات كانت ممكن أن تحدث في فترات سابقة، ولكن بعد الأضرار وفشل التجربة خاصة في قطاع غزة، وغياب روح المواجهة والبرنامج والرؤية للمنظمة وحركة فتح في مواجهة الاستعمار الكولونيالي، وسرعة وتيرة الاستيطان خاصة في مدينة القدس العاصمة السياسية للفلسطينيين، كل هذه العوامل من الممكن لها أن تخل بمعادلة الثنائية وتكسر الاحتكار لصالح خيارات مختلفة لن يكون لليسار الفلسطيني مكانة فيها لاعتبارات عديدة، فتجربة الانتخابات التونسية خروج عن بيت طاعة الأحزاب التقليدية، وما يحدث في لبنان من ثورة شعبية ضد الطائفية وأحزابها وممثليها في لبنان، قد يدفع المواطن الفلسطيني للبحث عن أشكال أو صيغ تكسر هذه المعادلة “ثنائية فتح وحماس”، لأن طرفي الصراع وصلا إلى ذروة فشل التجربة، خاصة تجربة حماس في قطاع غزة، يضاف إلى ذلك أننا نعيش في فترة أفول عهد الإسلاميين والتراجعات الهائلة التي حدثت في المناطق العربية، أي معادلة “إسلامي ضد وطني” لم تعد إلى حد كبير قائمة وتمثل “بُعبُع” للفلسطينيين الوطنيين.

وهنا تبرز الكثير من الأفكار التي يتداولها الشارع الفلسطيني، أهمها تلك التي دونها الكاتب زكريا محمد، والذي اقترح على النخب الفلسطينية التي بقيت خارج تركيبة الأحزاب التقليدية إلى الاسراع في تشكيل قوائم انتخابية مستقلة من شخصيات وطنية نزيهة وازنة، في إشارة إلى تجربة تونس، وهناك أحاديث غير مركزة عن تشكل كتل من الشباب الذين عبروا عن أنفسهم أكثر من مرة في مواجهة حركة حماس في قطاع غزة “حركة بدنا نعيش، إنهاء الانقسام …. إلخ “، مستفيدين من بؤس وضع الشباب حيث البطالة والفقر، وهناك حوالي 180 ألف خريج جامعي في قطاع غزة، حيث البطالة تصل إلى ما نسبته 100 بالمئة، وهذا محفز هام لتشكيل قوائم تعبر عن حالة.

أسئلة كثيرة تعصف بالنخب الفلسطينية ومعظمها قلقة، هل ستنجز الانتخابات؟.. في ظل بقاء الانقسام وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، من يضمن نزاهة الانتخابات؟.. ما شكل النظام السياسي الفلسطيني الذي من الممكن أن ينشأ؟.. معادلة الوطني والإسلامي وشعارات المقاومة هل ستتراجع لصالح هموم المواطن ومعيشته، وحاجته إلى بنية سياسية نزيهة خالية من الفساد؟.. هل ستتقدم أفكار المقاومة الشعبية في الضفة الغربية ومدينة القدس وقطاع غزة على سواها من الشعارات الكبيرة؟.. كل هذه الأسئلة برسم الإجابة عليها لأن البنية السياسية الفلسطينية الحالية شاخت وبحاجة للتجديد.

ولكن في حال أجريت الانتخابات، وهذا أمل الفلسطينيين في التغيير، هل ستقبل أي من الحركتين فتح وحماس بالنتائج، سواء لصالح أي طرف منهما، أو لصالح طرف جديد كما في تونس، أسئلة حرجه كثيرة ولكن تبقى عيون الفلسطينيين شاخصة ضد الاحتلال بدرجة رئيسة، وضد الانقسام والفقر والبطالة والفساد، عناوين مهمة ستكون مادة للتجاذب السياسي بين جميع الأطراف.