محمد حجازي يكتب: الانتخابات الفلسطينية.. الفرصة الأخيرة  

 

يعتقد الكثير من الفلسطينيين، و أنا منهم، أن إنجاز الانتخابات الفلسطينية بكل مجالاتها، هي الطريقة الوحيدة المتبقية لدى الفلسطينيين للخلاص من الانقسام، الذي يدخل عامه الـ 13. وبدون أدنى شك فإن الانقسام ولَد إحباطا واسعا لدى شعبنا، خاصة في قطاع غزة، حيث بلغ الفقر والبطالة نسبا غير مسبوقة، كان من المفترض أن تحرك ضمائر السياسيين وخاصة الذين يحكمون قطاع غزة، كل الأحداث الجسام التي حدثت للقضية الفلسطينية  لم تدفعهم للوحدة، لم يتوحدوا عندما أصدر الرئيس ترامب قراره المشؤوم باعتبار القدس الكبرى عاصمة إسرائيل، ولا حين تم التلويح بصفقة القرن ولا بالحروب التي خيضت ضد قطاع غزة وخلفت وضعا كارثيا، ولا بتضاعف الاستيطان في مدينة القدس والضفة الغربية، الكثير من المصائب حدثت للقضية الفلسطينية طيلة عمر الانقسام، ولكنهم لم يتوحدوا.

برزت خلال الفترة الحالية عدة مواقف إزاء الانتخابات، منها من قال لا انتخابات في ظل الاحتلال، ومنهم من قال لا انتخابات وفق إفرازات أوسلو “يقصدون السلطة الفلسطينية”.. ولبعض قال: أريد انتخابات رزمة واحدة، التشريعي والرئاسية والوطني، وآخرون ومنهم اليسار الفلسطيني طلب التوافق الفلسطيني قبل الانتخابات وغيرهم من مواقف، وهنا أريد أن أناقش بعضا من هذه المواقف التي تبدو في ظاهرها صحيحة ولكن “يكمن الشيطان في التفاصيل”.. خلال فترة الانقسام جرت الكثير من الحوارات الفلسطينية وأفضت إلى الكثير من الاتفاقيات، ولكن لم ينجح الفلسطينيون في إنهاء الانقسام لأسباب كثيرة تحدثنا عنها في مقالات سابقة، أهم هذه الأسباب هو أن حركة حماس أصبحت حبيسة السيطرة على قطاع غزة، لأنها ببساطة ومن خلال فرضها لنظام ضرائبي شديد الانضباط، استطاعت تأمين رواتب لعناصرها لا تستطيع أية جهة تأمينها في حال ذهبت للوحدة. معضلة رافقت كل الحوارات، فالجباية المالية لحركة حماس هي التي وفرت لها الصمود خلال الفترة الماضية، إلى جانب أن حركة حماس لا تستطيع أن ترى نفسها خارج الحكم، لأنها على قناعة تامة بأنها لن تحصل على النسبة التي حصلت عليها في الانتخابات التي جرت في عام 2015، وهناك قناعة عند حماس بأن حركة فتح ستقصيها عن حكمها في القطاع فيما لو جرت الانتخابات، هذا الحديث فيه الكثير من المشاكل، أهمها أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ديمقراطي تشاركي، لا أحد يقصي أحدا، كله بحسب ما يحصل عليه من نسب في الانتخابات، والمسألة الأهم هي أن موظفي حركة حماس ممكن إيجاد حلول جذرية لهم تضمن إدماجهم بالوظيفة العامة، مسألة أخرى ليس من الضرورة أن يكون هناك توافق فلسطيني كامل مئة بالمئة، لك برنامجك ولي برنامجي والذي يفوز يتفضل للقيادة و”لكنني أفضل الشراكة في الحكم” وحدها الكفيلة طمأنة كل الأطراف، إلى جانب أننا يجب أن نتذكر دوما أننا تحت الاحتلال لا يجب تغليب الخلافات الداخلية على تناقضها الرئيسي مع الاحتلال.

أما بشأن وجهة النظر التي تقول إن لا انتخابات في ظل الاحتلال، فهذا كلام فيه مشكلة كبيرة، وهي أنه نحن الفلسطينيون نواجه استعمار كولونيا لي استوطن أرض فلسطين وبالتالي مسألة النضال بكل أشكاله مسألة هامة، وفي مواجهة تبديد الهوية الوطنية الفلسطينية التي تسعى إليها إسرائيل، وجب علينا أن نتمسك بأي جسم تمثيلي فلسطيني وبالانتخابات في مواجهة العدو، لأن أي بنية منتخبة فلسطينية هي إنضاج للحالة الوطنية أكثر، أينما نستطيع علينا أن نلجأ للانتخابات حتى تكتسب الحركة الوطنية الفلسطينية شرعيتها من صندوق الاقتراع، إلى جانب شرعيتها الكفاحية، وبالانتخابات نكتسب الشرعية الدولية، وهي حق طبيعي للأجيال الفلسطينية يجب ألا يحرموا منها، فهي وسيلة للتجديد ومشاركة الأجيال.

وبشأن أن السلطة الفلسطينية هي من نتاجات أوسلو “أي اتفاقية أوسلو مع الطرف الإسرائيلي”، فإنه من الواضح أن إسرائيل بقيادة اليمين المتطرف لم تبقي شيئا من أوسلو، فالجرافات الاسرائيلية داست على الاتفاقية، ولكن هناك جسما فلسطينيا، وهي السلطة الفلسطينية التي تقوم بإدارة الموارد الفلسطينية، وهي بالمليارات، وتقوم بتأمين حياة أكثر من خمسة ملايين فلسطيني، منهم حوالي 160 ألف موظف يتلقون رواتبهم، إلى جانب عشرات الآلاف من المتقاعدين، وعشرات الآلاف من الفلسطينيين يتلقون إعانات كل ثلاثة شهور وبشكل منتظم، وبرامج التشغيل المؤقت، وتأمين  النظام العام والتعليمي… إلخ، كل هذا ألا يستحق منا أن نديره بشكل خلاق ومبدع وأن يكون للفلسطيني الحق في اختيار من يمثله للرقابة على هذه الموارد، وأن يقوم بمعاقبة من قصر وفشل في تأمين حياة الناس ومن مارس الفساد ومن خان شعبه من خلال صندوق الاقتراع، حق الناس في قول كلمتهم وهذا الحق هو من خلال الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات. إن التمثيل السياسي للفلسطينيين يكون أقوى وأكثر قدرة على التأثير من خلال الانتخابات فقط، أينما كان هناك إمكانية لذلك.

لم يتبق بعد فشل كل اتفاقيات المصالحة أمام الفلسطينيين إلا الاحتكام للانتخابات، من ينجح يتفضل يحكم ومن يخسر يتفضل ويشكل معارضة فعالة ومراقبة أداء الحكومة، مع التأكيد على ضرورة تجديد كل الشرعيات الفلسطينية، من المجلس الوطني الفلسطيني والرئاسة إلى انتخابات السلطة الفلسطينية، هذه القضية من المفترض ألا تكون خاضعة لأي حسابات أو أجندات.