محمد حجازي يكتب: الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ذكراها الـ 32.. دروس وعبر

 

كتب شمعون بيرز الشخصية البارزة في تاريخ اسرائيل، في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” الذي صدر بعد التوقيع على اتفاق المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية و اسرائيل عام 1994: “لقد واجهنا الفلسطينيون بأقوى سلاح لديهم” في إشارة للانتفاضة الشعبية الأولى. وفي مكان آخر من الكتاب قال بيرز: “جاءت الانتفاضة الفلسطينية لتعَرض الجيش الاسرائيلي إلى مصاعب لا سابق لها، إن المؤرخين سوف يبررون سلوك الجنود والضباط الإسرائيليين بمواجهة وضع غير تقليدي كهذا – وضع لا يمكن لأي جيش أن يتدرب عليه، ولا يمكن لأي جيش أن يجابهه لا عملياتي ولا معنوي”.

مر اثنان و ثلاثون عاما على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والوضع الفلسطيني في تراجع مستمر، ليس فقط بفعل الهجمة الشرسة للعدو الإسرائيلي وسياساته العدوانية، بل بسبب تحديات الحالة الداخلية الفلسطينية،   الانقسام الفلسطيني ومحاولات عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية ومدينة القدس. ولَد الانقسام الفلسطيني يأسا وإحباطا لدى الفلسطينيين.

لم يشتغل الفلسطينيون كثيرا بدروس الانتفاضة الأولى، ولما حاولوا الذهاب الى نشاط شعبي عارم ضد الاحتلال اختلفوا كثيرا، رغم التجارب الهامة للمقدسيين في هذا المجال “معركة البوابات الشهيرة” إلا أن الغزيين نجحوا وفشلوا في القيام بنشاط جماهيري كبير على حدود القطاع “مسيرة العودة” نجحوا في تأسيسها واتساعها وتنوع أشكال العنف المدني غير المسلح، وفشلوا في استثمارها سياسيا، البعض أرادها للتركيز على حق العودة الذي حاولت إدارة الرئيس ترامب إزاحة هذا الملف عن طريق أي مفاوضات مستقبلية، إلى جانب محاولة تجفيف موارد الأونروا تمهيدا لإقالتها على التقاعد لطمس قضية اللاجئين الفلسطينيين، ولكن الطرف الفلسطيني الآخر “حركة حماس” المسيطرة على قطاع غزة استثمرت مسيرة العودة باتجاهين، الأول تفريغ شحنة غضب الناس من الوضع المزرى الذي وصلوا إليه في القطاع، حيث البطالة وصلت الي أرقام غير مسبوقة وكذلك الفقر والخريجين “180 ألف خريج جامعي فما أكثر بدون عمل” وثانيا وهو الأهم التوصل إلى اتفاق هدنة طويلة من خمس سنوات إلى عشرة مع العدو الإسرائيلي مقابل تحسينات اقتصادية ومناطق صناعية.. إلخ، ومنها المشفى الأمريكي شمال قطاع غزة الذي أثار غضب وامتعاض جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

طرحت الانتفاضة الأولى جدلا واسعا لدى الفلسطينيين، حول قضية النضال العنفي الجماهيري غير المسلح.. البعض وأنا منهم اعتبره الشكل المناسب في هذه المرحلة لأسباب كثيرة، منها أنه يضفي على النضال الفلسطيني طابعا جماهيريا واسعا وعريضا، بحيث أن كل بيت فلسطيني سيشارك في هذه الانتفاضة، إلى جانب أن هذا الشكل النضالي سيحيد السلاح الفتاك التدميري لدى العدو، مثل سلاح الطيران و القصف المدفعي والصاروخي… إلخ، والجانب الآخر سيجعل العالم يقف على قدم واحدة كما حدث في الانتفاضة الأولى، ومن شأن هذا الشكل النضالي عزل اسرائيل على الساحة الدولية، ويجعل منها “دولة أبارت هايد” تمارس إرهاب الدولة على شعب أعزل، في حين يحتاج الكفاح المسلح لظروف ولحظات تاريخية مختلفة، ولعمق استراتيجي، وهذا غير متوفر في هذه اللحظة، العمل المسلح نخبوي يسهل ضربة من قبل الاحتلال واحتواؤه، أضراره وفي ظل الإختلال في موازين القوى فادحة على الصعيد الشعبي. إن الشكل النضالي الجماهيري غير المسلح هو شكل مناسب جدا في مدينة القدس والضفة الغربية، حيث المستوطنات ونقاط الجيش الإسرائيلي، فمن شأن الانتفاضة الشعبية أن تجعل حياة المستوطنين “المستعمرين” جحيما وأن هذا الشكل النضالي من الممكن أن يكون مسمارا في نعش الاستيطان في أرض الضفة والقدس، ولكن هذا يحتاج الى الكثير من الجهد والمثابرة من قبل الفلسطينيين، وفي مقدمة ذلك التوافق الوطني على أهمية هذا الشكل والإعداد له بشكل جماعي، وهذه مهمة ليست بالسهلة، فالتحضير لانتفاضة فلسطينية شعبية جديدة يحتاج أولا إنهاء الانقسام واقناع حركة حماس بأنها لا تستطيع دائما التغريد خارج السياق الوطني، وأن التهدئة لن تجلب لها شيئا سوى الدمار، حاور ياسر عرفات الإسرائيليين طيلة عشرين عاما، وكان العالم يقف معه ولم يحقق حلم الدولة الفلسطينية، التهدئة طويلة الأمد التي تسعى حركة حماس إليها لن تجلب للفلسطينيين إلا الخراب وإخراج 2 مليون فلسطيني من معادلة الصراع مع العدو الإسرائيلي ومن معادلة الخطر الديمغرافي.

يجب أن تكون دروس وعبر الانتفاضة الأولى المجيدة حاضرة في وجداننا دائما، بمناضليها وشهدائها ومعتقليها لدى العدو الإسرائيلي، الكتابة عن الانتفاضة الأولى هامة في هذه المرحلة، حيث الإحباط واليأس حاضران بين الفلسطينيين، للتأكيد على أن هناك خيارا من شأنه أن يخرج الحالة الفلسطينية من واقعها الأليم، وهو الذهاب معا لتأسيس انتفاضة فلسطينية شاملة غير مسلحة في كل مكان في القدس والضفة وقطاع غزة، حتى يكون هناك صوت واحد للفلسطينيين، لا صوت يعلو على صوت الانتفاضة.