محمد حجازي يكتب: التجزئة في خدمة إسرائيل وصفقة القرن

296

 

يتفق الكثيرون من الفلسطينيين على أن اسرائيل نجحت في تجزئة الشعب الفلسطيني  وفق استراتيجية ورؤية محددة، هدفها باستمرار كان منع تشكل جماعة فلسطينية واحدة. بدا هذا جليا من خلال سلوك إسرائيل مع قطاع غزة، الذي تشكل كتلته البشرية عبئًا ومعضلة لإسرائيل، حوالي مليون وتسعمائة ألف نسمة يعيشون في ظروف صعبة وفي مساحة جغرافية محدودة وفقيرة بالمياه والموارد.

ظهور حركة الإخوان في فلسطين ومن ثم تحولها لحركة حماس، شكل فرصة مناسبة استغلها رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق لتشكل عنوانا يتحدى منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعدها السلطة الفلسطينية على جبهة التمثيل السياسي.

الانقسام الذي أخذ قطاع غزة بعيدا عن القضية الفلسطينية، تم إخراجه عن سياقه الفلسطيني الرسمي و بشكل دامي بتجربة مريرة نعيش فصولها إلى الآن .

التهدئة التي تتوارد الأخبار عن قرب التوافق عليها بين حماس وإسرائيل برعاية قطرية وموافقة أمريكية وتحت شعار ترتيب وضع قطاع غزة، من خلال اتفاق يضمن لحركة حماس شرعنة سيطرتها على القطاع، إلى جانب وعود بتدفق المال لضمان تأمين رواتب موظفي الحركة “انظر إلى تهديد السنوار قائد حماس في قطاع غزة لإسرائيل من أجل دخول الأموال القطرية لغزة لتأمين الرواتب “..  تنظر حماس لهذه التهدئة على أنها تشكل فرصة لفك الحصار عنها وحل مشاكلها المالية، بمعنى آخر توطيد وإطالة حكم حماس أكثر على حساب القضية الفلسطينية، نتياهو رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي يدرك تماما أن معركته الرئيسة هي في الضفة الغربية ومدينة القدس، من خلال تعزيز الاستيطان وبناء بؤر استيطانية جديدة، ووصلت الأمور فعلا إلى عزل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني، إلى جانب المضي في تقسيم الضفة الغربية لمعازل وكانتونات يسهل السيطرة عليها، مع العلم أن التهدئة “ترتيب وضع قطاع غزة” تتم بدون توافق وطني حتى داخل القطاع.

في الجهة المقابلة تم عقد المجلس المركزي الفلسطيني في مدينة رام الله يومي 29 و30 اكتوبر الحالي، مع مقاطعة فصائل مؤسسة مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية إلى جانب المبادرة الفلسطينية، وبالطبع حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وهي مقاطعة تاريخية، بغض النظر عن أي قرارات سيتخذها المجلس المركزي الفلسطيني، ولكنها إلى جانب عقد التهدئة في قطاع غزة يشكلان ذروة الانقسام الفلسطيني.

صفقة القرن تستند بدرجة أساسية الى التعامل مع الفلسطينيين كأقلية مشتتة تعيش في وطنها، قامت الإدارة الأمريكية بتجزئة القضية الفلسطينية، أخرجت القدس من معادلة المفاوضات، وأخرجت الاستيطان أيضا من المعادلة، ومست وحدة اللاجئين الفلسطينيين كقضية سياسية، عندما قسمت اللاجئين إلى فئات ومجموعات، إلى جانب أنها أوقفت تمويلها للأونروا، والذي يبلغ نصف موازنتها العامة.

إذن معادلة التجزئة وتفتيت الفلسطينيين إلى مجموعات صغيرة هو هدف إسرائيل والإدارة الأمريكية، وضرب بنية الفلسطينيين السياسية، فمنظمة التحرير التي جرى اضعافها عن قصد لصالح السلطة الفلسطينية التي اختلف الفلسطينيون كثيرا عليها، كان من المفترض منذ البداية ترك مسافة بين المنظمة والسلطة، ولكن الأمور تسير بمنحنى خطير لأن قضية التمثيل الفلسطيني بخطر شديد، إن لم يكن قد فات الوقت.

وأمام هذا الواقع ولمحاولة الضغط على أطراف الانقسام الفلسطيني ولتصويب مسار القضية الفلسطينية، يبرز تشكيل مجموعات ضغط شكلت في الداخل والشتات، وكأن القضية الفلسطينية تمر في طور جديد وهو البحث عن طريق للخروج من المأزق الحالي، من خلال مراجعة واضحة للتجربة الفاشلة للحركة الوطنية الفلسطينية في تعاملها مع تحديات المرحلة، أبرز هذه المجموعات الحراك الوطني الديمقراطي الذي أسس له شخصيات وطنية وازنة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتجمع الثاني بدأ من الشتات أيضا أسس له شخصيات فلسطينية وازنة ومتنوعة المشارب يدعى اللقاء الوطني، وإن كانت هذه المجموعات ظاهرة صحية ولكنها تحمل الكثير من الإشكاليات، أهمها عدم التنسيق فيما بينها، إلى جانب أنها تعتمد بدرجة أساسية على شخصيات من خارج البنية الفصائلية الفلسطينية، هذا يبدو جيدا للبعض ولكنه سلاح ذو حدين، فبدون إشراك شخصيات مركزية من قيادات العمل الوطني الحزبي، ستفتقد هذه المجموعات إلى الزخم وإلى قوى كبيرة محركة، وخاصة قوى منظمة التحرير الفلسطينية التي يجب أن يكون لها دور في هذه المجموعات، تتشابه هذه المجموعات في الوثائق السياسية، الأمر الذي يستدعي مزيدا من الحوار فيما بينها لدمجها في جهد واحد وعلى أسس ديمقراطية واضحة.

إن وعي الفلسطينيين بمخاطر تجزئة القضية الفلسطينية يشكل مدخلا مهما لإنهاء الانقسام، وتقوية دور منظمة التحرير الفلسطينية، ومن خلالها فقط يعاد الاعتبار لوحدة التمثيل السياسي الفلسطيني الذي يجب أن نحرص عليه، لأنه بدون أن نكون جماعة سياسية واحدة لا يمكن أن نحمي شعبنا من التفتت والضياع.