محمد حجازي يكتب: المال خديعة ورشة البحرين

 

حديث غاري كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، عن مقدار المال الذي تعتزم إدارته جمعه في ورشة البحرين ومقداره 50 مليار دولار يوزع على الفلسطينيين ودول الجوار، حديث له وهج السياسة الخبيثة، لأنه وفي جوهره التلويح بالمال والمشاريع لدول تعاني من ضائقة مالية كبير، فهو بذلك يستخدم هذه الحاجة لابتزاز هذه الدول بشكل سافر، علما بأن إدارته لن تدفع من جيبها كل المال.

وفي مواجهة لصفقة القرن ولورشة البحرين، اتفق الفلسطينيون على رفض ذلك، ولكنهم يختلفون كثيرا في سياساتهم الداخلية والخارجية، كما يحلو للكاتب والوزير السابق حسن عصفور تسميته بأنهم اتفقوا ضد صفقة القرن وورشة البحرين واختلفوا على القضية.. هذه العبارة تلخص الحال الفلسطيني، حتى رفضهم رغم أهميته لا يتعدى الرفض اللفظي، يمتلك  الفلسطينيون الكثير من أوراق القوة غير المستخدمة في مواجهة مؤامرة الورشة، منها وجود حوالي 6 ملايين فلسطيني يعيشون في فلسطين التاريخية، وجود هذا العدد المتزايد يشكل أرقا ديموغرافيا لدولة إسرائيل، هؤلاء وحدهم فيما لو كانوا موحدين يستطيعون الاطاحة بكل مشاريع التصفية، ولكن الانقسام والحسابات السياسية أضعفت كثيرا من قوة هذا الحجم المراهن عليه بالمستقبل، خاصة أن جوهر صفقة القرن هو تفتيت وتقسيم الشعب الفلسطيني، كل وبحسب تواجده، وإزالة الصفة السياسية لجوهر القضية الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كمجاميع سكانية وضمن بند الاغاثة الاجتماعية.

و إذا كان هذا هدف وجوهر الحركة الصهيونية وصفقة القرن، فمن الأجدر للفلسطينيين وقياداتهم أن يتوحدوا ويحافظوا على تمثيلهم السياسي الموحد ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، ذلك لأن الرهان على التسوية سقط، وإنهار حل الدولة الفلسطينية بفعل الضربات المتتالية التي تعرض لها الفلسطينيون من قبل إسرائيل والإدارة الأمريكية، كما أن مشاريع التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل لا تقدم حلا لكل مشاكل القطاع المستعصية، وحدها وحدة النظام السياسي الفلسطيني كفيلة بحل مشاكل القطاع بشكل أفضل بكثير.

التلويح بالمال للفلسطينيين ولدول الجوار خديعة كبرى، لأن المال سيجمع على سنوات طويلة بواقع خمسة مليارات كل عام بحسب كوشنر، والعرب سيدفعون معظم المال من جيوبهم بواقع 70 بالمئة، أي أن تصفية القضية الفلسطينية ستتم بالمال العربي، لا يوجد ضمانات لجمع هذا المال، فهناك متغيرات سياسية وتطورات تعصف بالمنطقة العربية، وهي مؤهلة لذلك، ستعيق جمع المال، والأهم من كل ذلك خبر الفلسطينيون مثل هكذا وعود، خاصة وأن إدارة ترامب تربط ذلك أولا بموافقة الفلسطينيين على بيع قضيتهم، وثانيا بمدى التزام الفلسطينيين ببنود الصفقة، وسيرافق ذلك حل الأونروا أو إحالتها إلى التقاعد، وهذا بند من بنود الصفقة.. وبمعنى آخر يتخلى الفلسطينيون عن الشاهد السياسي والقانوني على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم، وبموجب ذلك يتخلى الفلسطينيون عن الموازنة السنوية  للأونروا التي تقدر بـ 800 مليون دولار في السنه، وبالطبع أكثر من المال فقدان العاصمة السياسية القدس، والتخلي عن حدود الرابع من حزيران عام 67، إلى جانب أن الخطة لا تشير إلى دولة فلسطينية.

خطة كوشنر تقوم على تأسيس صندوق استثمارات دولي في العقد القادم بواقع 50 مليار دولار، نصف هذا المبلغ سيحصل عليه الفلسطينيون في الضفة وقطاع غزة، والنصف الآخر يوزع على دول الجوار، مصر ولبنان والأردن، بواقع كل سنه سيتم تأمين خمسة مليارات، والملفت للانتباه أن السيد كوشنر يقسم المال بين قطاع غزة والضفة الغربية، ويشترط وحدة الفلسطينيين، وبأنه سيتم بناء جسر يصل قطاع غزة بالضفة الغربية، هذه الرؤية تخالف رؤية نتياهو التي تتلخص في تعزيز فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية لضمان منع إنشاء دولة فلسطينية، خاصة أن خارطة الانتخابات الاسرائيلية لا تشير إلى تغير في الائتلافات الحكومية بزعامة نتياهو.

أقر مجلس وزراء المالية العرب شبكة أمان مالية بمقدار 100 مليون دولار شهريا لتمكين الفلسطينيين من الصمود ومواجهة السطو الاسرائيلي على الضرائب الفلسطينية، فبدلا من ضخ الأموال العربية ضمن الرؤية الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية “صفقة القرن” وجب على العرب الالتزام بقراراتهم المالية المتخذة في الجامعة العربية، وهي كافية للفلسطينيين بدلا من أن يكون الدفع بالوساطة الأمريكية، ولكن المال لا يشتري الحق التاريخي للفلسطينيين المتوارث عبر كل الأجيال.

المواجهة الفلسطينية لورشة البحرين وصفقة القرن ضعيفة وغير منظورة باستثناء الرفض اللفظي والسياسي، ولتطوير هذه المواجهة علينا أن نستعيد وحدتنا السياسية ونحافظ على هويتنا الوطنية الجمعية، ولا نضعها في ميزان التجاذبات السياسية والهوياتية، وإلى جانب ذلك علينا أن نسارع في حماية وتجميع الذاكرة الفلسطينية التي تسعى إسرائيل الى السطو عليها وتشويهها، وقبل كل ذلك المصالحة مع الشعب الفلسطيني، لأنه وحده فقط هو الذي سيسقط صفقة القرن و توابعها.