محمد حجازي يكتب: المواجهة الأخيرة بين الجهاد وإسرائيل.. قرار الحرب والسلم بيد من؟

 

اعتقد الكثيرون من الفلسطينيين أن العلاقة بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي تسير بوئام كبير، ولكن المواجهة الأخيرة مع إسرائيل أظهرت الكثير من الخلافات، حين أقدمت إسرائيل على اغتيال شخصية بارزة من سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في مدينة غزة، إلى جانب محاولة فاشلة حدثت في دمشق لاغتيال عضو مكتب سياسي، ظهور أمين عام حركة الجهاد الاسلامي زياد النخالة على قناة الميادين طرح الكثير من الأسئلة عن مستقبل العلاقة بين الطرفين، ليس من جهة عدم مشاركة القسام الجناح العسكري لحماس في المواجهة فقط، بل من جهة جوهر ورؤية حركته السياسية، في المقابلة التلفزيونية على الميادين تحدث النخالة صراحة عن المال القطري الذي يدخل إلى قطاع غزة عن طريق اسرائيل والغاية منه “احتواء المقاومة” كما قال وهذه قضية مفصلية لدى الجهاد، وألمح أيضا إلى التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل، في إشارة لمعارضة حركته لمساعي التهدئة التي تقوم بها مصر وقطر والسيد نقولاي ملادينوف المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام.

أهداف نتياهو من هذه العملية مرتبطة بحساباته السياسية اليائسة لتشكيل حكومة وحدة بينه وبين تكتل أزرق أبيض لتفادي الذهاب للقضاء، إلى جانب أن لديه حسابًا مفتوحًا مع بهاء أبو العطا حين اتهمته إسرائيل علانية بأنه وراء عملية اطلاق صواريخ على مدينة عسقلان، حين كان نتياهو يلقى كلمة فيها “حادثة الهروب الشهيرة لنتنياهو عن المنصة”، ولكن باعتقادي أن هناك هدفًا كبيرًا آخر لنتنياهو، وهو إزاحة عنصر مشاغب مثل “أبو العطا” من أمام تمرير التهدئة مع حركة حماس، استمرت اسرائيل لعدة أسابيع وهي تهيء الإسرائيليين لعملية الاغتيال وبشكل واضح من خلال اتهام أبو العطا صراحة بمسؤوليته عن اطلاق الصواريخ باتجاه بلدات تخوم القطاع، ندرك جميعا أن رؤية نتياهو لقطاع غزة واضحة جدا، وهي عزله عن القضية الفلسطينية وتحويله لقضية إغاثية إنسانية فقط وتعزيز الانقسام الفلسطيني لمنع إنشاء دولة فلسطينية.. التفاهمات مع حركة حماس من وجهة نظر إسرائيلية تسير في هذا الاتجاه.

رد حركة الجهاد الإسلامي على عملية الاغتيال كان سريعا ومنتظرا، وهذا الرد وجب أن يكون سلوكًا يوميًا على كل جرائم الاحتلال، الحساب مع الاحتلال يجب أن يكون مفتوحا خاصة وأننا لا يكاد يمر يوم إلا والاحتلال يرتكب جرائم، وعلى رأسها سياسة ضم الأراضي ومصادرتها والاستيطان وهدم المنازل… إلخ، وخاصة جرائم المستوطنين، وهناك الكثير من أشكال المواجهة، ليس بالضرورة استخدام المواجهة المسلحة دوما، هناك الكثير من أشكال النضال المتوفرة لدى شعبنا، وأهمها المواجهة العنيفة غير المسلحة ذات الطابع الجماهيري، وهي مناسبة أكثر في هذه المرحلة، ولكن مع قناعتنا بأن أرقى أشكال النضال يبقى الكفاح المسلح، ولكن له ظروفه ومحدداته.

ليس من الحكمة أن يتخذ وينفرد فصيل فلسطيني وحده بقرار المواجهة ووقف إطلاق النار مع الاحتلال، هذه مشكلة عانى منها قطاع غزة طيلة السنوات الماضية، وأحد أهم الملاحظات على سلوك حركة حماس طيلة الفترة الماضية كان اتخاذها قرار الحرب والسلم منفردة، ذهاب حركة الجهاد الإسلامي لمباحثات وقف إطلاق النار منفردة مقابل وقف عمليات  الاغتيال وضمان عدم التعرض للفلسطينيين في مسيرة العودة، يثير الكثير من التساؤلات: هل يحق لأي فصيل أن يقرر الذهاب للمواجهة المسلحة مع الاحتلال وقتما يريد، ويتفاوض منفردا لوقفها؟. وهل نسمح للعدو الإسرائيلي بالتفرد بكل فصيل على حدة؟.. ذلك لأن قطاع غزة تعرض إلى ثلاثة حروب والكثير من المواجهات، تم تدمير الآلاف من المنازل منها لم يتم إعماره حتى الآن، العدد الكبير للشهداء في أوساط المدنيين…إلخ.

التشتت الذي يعيشه الفلسطيني وعدم التوافق على برنامج سياسي يشكل حدًا أدنى مقبولا للجميع، وتشكيل بنية سياسية موحدة لمنظمة التحرير وقيادة واحدة تتخذ القرار الموحد، إما بالتفاوض أو بالمواجهة، هذا ما يقلق اسرائيل، وحدة الفلسطينيين السياسة هي بداية ضرورية لهزيمة المشروع الاستعماري الكولونيالي الذي استوطن أرض فلسطين. عدم مشاركة حركة حماس في المواجهة الأخيرة وعدم فاعلية الغرفة المشتركة “على لسان النخالة” أثار الكثير من الأسئلة. ولكن الأهم هو مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية عامة ومستقبل قطاع غزة خاصة، التجاذب السياسي وهزالة البنية السياسية للفلسطينيين وعدم التوافق على برنامج سياسي موحد، وخاصة بين فصائل إسلامية مثل الجهاد وحركة حماس وفصائل وطنية بزعامة حركة فتح، لن يكون هناك مستقبل للقضية الفلسطينية.