محمد حجازي يكتب: بين الممكن المتاح والأمنيات في الحالة الداخلية الفلسطينية

محمد حجازي

في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، برزت مشكلة توحيد البنى النضالية الفلسطينية، وكانت القاعدة الدائمة لهذا المفهوم إما تحقيق الأمنيات و الطموح، وإما لكل بنية سياسية طريق خاصة بها، كل طرف كان يدعي الصواب، إلى أن جاءت الثورة الفلسطينية المعاصرة كي تقترب من مقولة المتاح الممكن في هذه المرحلة على صعيد العلاقات الداخلية، فكانت منظمة التحرير هي المؤسسة الجامعة لكل الفلسطينيين، حيث حافظت على التمثيل السياسي حتى اللحظة وإن بوهج أقل.

في الحالة الفلسطينية الراهنة حكمت العلاقات الفلسطينية معادلة “وطني وإسلامي”، “وطني” تمثله حركة فتح وفصائل منظمة التحرير ومنها اليسار الفلسطيني، وإسلامي تمثله حركة حماس ذات الجذور الإخوانية. وفي مرحلة متأخرة قبل”أوسلو” حكمت معادلة “يمين ويسار” العلاقات الداخلية الفلسطينية ردحا من الزمن، وإن كانت متخاصمة في بعض المراحل التاريخية، ولكنها استطاعة أن تتوحد مع المخاطر على القضية الفلسطينية، إلى جانب أنها كانت تختلف بالسياسة ولا تختلف على منظمة التحرير وقيادة منظمة التحرير “حركة فتح”، وكان أبرز نجوم هذه المرحلة قادة عظام “ياسر عرفت وجورج حبش ونايف حواتمة”.. كانت توليفة نضالية مهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

حكمت العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية إبان الانتفاضة الأولى قوتان رئيسيتان، وهما القوى الوطنية التي تنضوي في منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت القيادة الوطنية الموحدة، ومسار آخر ينافسها وهو القوى الإسلامية ممثلة بحركة حماس. مرت هذه العلاقة بكثير من المنعرجات وكان ذروتها هو عام 2007، عام سيطرت حركة حماس على قطاع غزة مستخدمة القوة المسلحة، وطردت منظمة التحرير كبنية سياسية من قطاع غزة إلى مدينة رام الله، حيث تم تحويل مقر منظمة التحرير في قطاع غزة إلى إحدى المؤسسات التابعة لحركة حماس.

حدثت الكثير من المحاولات لتوحيد المؤسسات الفلسطينية بين القطاع المحاصر وبين الضفة الغربية، وعقدت الكثير من الاتفاقيات وجولات الحوار ولكن دون جدوى، عند تطبيق بنود الاتفاقيات كانت حركة حماس تعطل التنفيذ، وأعتقد ان قيادة حركة فتح أيضا تتحمل المسؤولية لأنها لم تغادر مفهوم “النصف زائد واحد” أي الهيمنة على القرار الفلسطيني، كما أن حركة حماس لم تتخل عن مفهوم الهيمنة والإزاحة للسيطرة على منظمة التحرير والسلطة.

إجراءات الإدارة الأمريكية قبل طرح صفقة العصر وبعد طرح الصفقة لم تقنع الطرفين بإنهاء خلافاتهم. ماذا ينتظر الفلسطينيون أكثر من ذلك؟ المصيبة أصبحت في فناء الدار، ولكن كل هذا لم يحرك ساكنا. وبقيت حركة حماس تصر وهي منفردة بذلك بالذهاب لتهدئة مع العدو الإسرائيلي، أهدافها هي فك الحصار عن القطاع وإدخال المال القطري والتوافق على ميناء ومنطقتين صناعيتين، غابت كل الأهداف الوطنية لتحل عوضا عنها أهداف تمكين السيطرة على القطاع وتعزيز حكمها، حيث أسست بنية سياسية ومالية وتشريعية وأمنية في القطاع، الذي يتعرض لأبشع أنواع الاضطهاد والفقر والتهميش، نتنياهو أراد من وراء التهدئة أخذ ما يمكن الحصول عليه بالحرب، بالمساعدات من جيب دولة قطر، حيث كشف ليبرمان خصم نتياهو السياسي عن زيارة سرية لرئيس الموساد الإسرائيلي وقائد المنطقة الجنوبية في جيش العدو الإسرائيلي للدوحة مؤخرا، لسببين: أولا الاستمرار في إرسال الأموال القطرية إلى قطاع غزة، والهدف الثاني هو تعزيز التهدئة بين حماس وإسرائيل، من خلال الاقتصاد، في هذا المجال غابت فلسطين وغابت القضية الفلسطينية. وأمام كل هذا يُبرز سؤال “ما العمل؟” أن لغة الاستجداء والمناشدات لم تفعل شيئا، لذلك وجب البحث عن صيغ توافقية بدل طلب الصعب في هذه المرحلة “ممكن في مرحلة قادمة وفق ظروف ناضجة يحدث إنهاء الانقسام وتأسيس نظام تشاركي، لذلك يجب البحث عن المتاح والممكن في هذه المرحلة، مثل تأسيس حكومة وحدة وطنية تقود إقليمين، أما الاكتفاء باللطم والنواح وانتظار الفرج فهذا يعقد القضية الفلسطينية، ولذلك وأمام الانسداد السياسي أمام الفلسطينيين في هذه المرحلة، وجب الالتجاء إلى الشعب وإعادة الاعتبار له بعد أن أنهكته الخصومة السياسية القائمة، والمدخل لذلك أن تلتقي النخب الفلسطينية الوطنية لصياغة برنامج نضالي جماهيري واسع وبدون أوهام، وحتى يتحقق ذلك تتم الدعوة لعقد مؤتمرات شعبية أينما تواجد الشعب الفلسطيني، والتحضير لمؤتمر تأسيسي فلسطيني يمهد الطريق لعقد مجلس وطني تأسيسي جديد، والهدف من ذلك كله التحضير لانتفاضة شعبية عارمة غير مسلحة في الضفة الغربية ومدينة القدس، هذا هو الخيار المتاح في هذه المرحلة.