محمد حجازي يكتب: فلسطين الجديدة في «صفقة العصر».. الاستسلام مقابل المال  

 

نشرت صحيفة “إسرائيل هيوم” يوم 6 أيار الحالي وثيقة داخلية مسربة تناقلتها أوساط في وزارة الخارجية الاسرائيلية، بدون أن يعلن أحد عن تبنيها، علما بأن  الصحيفة  مقربة من نتياهو. جاءت الوثيقة في ثلاث صفحات، وتضمنت ثمانية بنود وجدولا زمنيا، وتحديد من سيدفع المال. مجرد نشر هذه الوثيقة في هذا الوقت له دلالاته، فهي تبدو قريبة من التصريحات التي تنشر بين الحين والآخر من قبل الفريق الأمريكي: غاريد كوشنير وغرينبلات.

تتحدث الوثيقة عن فلسطين الجديدة، وأنها ستكون بدون جيش، وأن حمايتها ستوكل إلى اسرائيل، شرط أن تدفع فلسطين الجديدة ثمن هذه الحماية، وسيتم تأمين 30 مليار دولار للفلسطينيين من أجل المشاريع والتنمية، ستدفع الإدارة الأمريكية 10 بالمئة من قيمة المبلغ، في حين ستدفع دول الاتحاد الأوربي 20 بالمئة و باقي المبلغ و نسبته 70 بالمئة ستدفعه دول الخليج العربية.

وبشأن قطاع غزة تورد الوثيقة المسربة أنه سيجري سحب سلاح حركة حماس وتسليمه لمصر، على أن يبقى الفردي منه، ومقابل ذلك ستدفع لعناصر حركة حماس رواتب شهرية تخصص من الدول العربية، أما إذا رفضت حركتا حماس والجهاد هذا الاتفاق عندها ستكون الحرب، وبعد مرور عام من انتخابات فلسطين الجديدة سيطلق جميع الأسرى بالتدريج خلال ثلاث سنوات، وفي غضون خمس سنوات سيتم إنشاء ميناء ومطار، ولكن حتى ذلك الحين يستخدم الفلسطينيون موانئ إسرائيل ومطارها، وسيتم أيضا وبحسب الوثيقة إنشاء جسر معلق يرتفع عن الأرض 30 مترا، ويصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، على أن تشارك عدة دول غنية بتكاليف إنشائه، منها الصين واليابان، أما بشأن القدس فهي ستكون غير مقسمة وتحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بإستثناء الصحة والتعليم حيث سيكونان من صلاحيات فلسطين الجديدة، على أن تدفع الضرائب لبلدية القدس الاسرائيلية، ويسمح للفلسطينيين بالوصول إلى أماكن العبادة، ويحمل سكان القدس الفلسطينيون هوية فلسطين الجديدة ويشاركون في الانتخابات. وهناك بند متعلق بمعاقبة الفلسطينيين إذا رفضوا الصفقة بقطع المساعدات الأمريكية عنهم.

يبدو أن نشر هذه الوثيقة بهذا التوقيت ليس صدفة، خاصة بعد تصريحات غرينبلات الأخيرة يوم السبت 11 أيار الحالي لوكالة رويترز، الذي قال إن الوثيقة ستعلن بعد عيد الفطر وبعد تشكيل نتياهو لحكومته، وقال إن رفض القيادة الفلسطينية لصفقة العصر دون الاطلاع عليها أمر محبط.

من الواضح أن هذه البنود ماهي إلا وثيقة استسلام بشروط بشعة رفضها الفلسطينيون طيلة السبعين عاما منذ النكبة عام 1948، فهي لا تتعامل مع الفلسطينيين كشعب بل كسكان محليين مع تأمين بعضا من احتياجاتهم المادية، ولم تتضمن الوثيقة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإنشاء دولته المستقلة. بينما مدينة القدس العاصمة السياسية للفلسطينيين خارج حسابات الصفقة، ضمت سلفا بالكامل للسيادة الإسرائيلية بقرار من ترامب. وتقع منطقة غور الأردن تحت سيادة اسرائيلية أمنية كاملة، أما قضية اللاجئين فسيجري تقسيمهم إلى فئات وإزالة الصفة القانونية السياسية لللاجئ الفلسطيني والمس بوحدتهم، وفي نفس السياق سيتم إحالة “الأونروا” إلى التقاعد لأنها هي الشاهد السياسي القانوني على قضية اللاجئين.  مستوطنات الضفة الغربية ومدينة القدس بحسب الوثيقة والتي يعيش فيها حوالي 834 ألف مستوطن داخل 515 مستوطنة وبؤرة استيطانية، هي أراض تتبع دولة إسرائيل، إلى جانب أن فلسطين الجديدة وبحسب تعبير الوثيقة ستكون بدون جيش ومنزوعة السلاح باستثناء السلاح الفردي للشرطة في الضفة والقطاع.

عندما قال السفير الفرنسي السابق لدى واشنطن جيرار آرو لصديقه غاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب إن نسبة فشل الصفقة هي 90 بالمئة، ذلك لأنه لو خير الفلسطينيون بين قبول هذه الصفقة أو الانتحار فهم سيختارون الأخير، فالوثيقة لا تقدم شيئا للفلسطينيين سوى المال، وهي وعود خادعة مرتبطة بمدى التزام الفلسطينيين مائة بالمئة بالصفقة، وهي معادلة صعبة ستبقى خاضعة لميزان ومقاييس العدو الإسرائيلي، ولنا في مرحلة أوسلو خير دليل على تبخر الدعم بحجة أن الفلسطينيين لم يلتزموا كثيرا، وأيضا غير رفض القيادة الفلسطينية ومعها كل الفصائل، لم تقنع الإدارة الأمريكية العرب بأن يشكلوا غطاء للصفقة أو القبول بها، فقد اتخذ العرب في قمتي الرياض وتونس الأخيرتين قرارا واضحا مساندا للفلسطينيين برفض صفقة القرن، والدليل على ذلك أن طرح الصفقة ونشرها تأجل كثيرا، ومن الممكن أيضا ألا تنشر بسبب الموقف الفلسطيني الموحد الرافض وبفعل الموقف العربي المعلن، ولكن يبقى السؤال مطروحا عن جدية المواجهة العربية والفلسطينية للصفقة، وتقديم الدعم للفلسطينيين المحاصرين، لأن إدارة ترامب لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء رفض الفلسطينيين للصفقة، حيث التهديد بفرض المزيد من العقوبات سيكون حاضرا، والتي بدأتها إدارة ترامب بإيقاف كل المساعدات السنوية المقدمة للفلسطينيين، سواء عبر السلطة أو مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب إيقاف دعم “الأونروا”، ولكن الانقسام الفلسطيني وعدم إنجاز المصالحة يبقى نقطة الضعف الكبيرة في مواجهة الصفقة، والتي في جوهرها ما هي إلا وثيقة استسلام.