محمد حجازي يكتب: في الحالة الفلسطينية.. رؤية مختلفة

 

اشتغل الفلسطينيون كثيرا بالسياسة، ولكنهم حصروها بالصراع الداخلي الفلسطيني الذي استنفد وقتهم على حساب الاشتغال بالقضايا الكبرى التي تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، منذ الخروج من بيروت عام 1982 إلى مؤتمر مدريد مرورا بأوسلو وما تمخض عنها من اتفاقيات أدت إلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وصولا إلى حالنا الراهن حيث يتم تصفية القضية الفلسطينية من خلال ما أصطلح عليه بـ “صفقة القرن” والتي ترتكز على فكرة إعادة توطين الفلسطينيين، والتعامل معهم كمجاميع سكانية، أي إزالة صفة الهوية وإخراج الذاكرة الجمعية الفلسطينية من سياقاتها التاريخية.

حدثت الكثير من المتغيرات العميقة في الحالة الفلسطينية، أولى هذه المتغيرات هو الانقسام الفلسطيني، والذي وصل إلى مستوى عميق لدرجة نستطيع عندها القول إنه تم خدش التمثيل السياسي الفلسطيني، وتم عزل قطاع غزة عن القضية الفلسطينية، وبذلك تم ضرب فكرة الدولة الفلسطينية وفق البرنامج الوطني الفلسطيني الذي يقتضي الوحدة السياسية بين مدينة القدس والضفة وقطاع غزة، وتم تحويل قطاع غزة إلى منطقة منكوبة يتعامل العالم معها وفق مفهوم الاغاثة الانسانية، وطيلة 12عاما من عمر الانقسام جرى تحطيم الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة وإفقاره، بحيث لم يعد يفكر سوى بالهجرة هربا من الواقع المر وتأمين لقمة العيش لأسرته، بدل أن يكون قطاع غزة ولاَدة للهوية الوطنية الفلسطينية كما في السابق،  والمتغير الثاني أن إسرائيل قد حسمت أمرها عندما أقرت قانون القومية العنصري وهو في جوهره لا يقبل غير اليهودي، بمعنى آخر يشكل خطرا وجوديا على جماهير شعبنا في الداخل المحتل عام 1948، وهذا القانون لا يقبل دولة للفلسطينيين، إلى جانب أن إسرائيل تتحول إلى إمبريالية صغرى في المنطقة، والمتغير الثالث أن الإدارة الأمريكية لم تعد راعية لعملية السلام بل أصبحت شريكا للمستوطنين المتطرفين.

مما سبق ألم يحن الوقت لعمل مراجعة سياسية لمجل السياسات الفلسطينية، خاصة بعد انهيار حل الدولتين، الذي علينا أن نبقى متمسكين به لأنه يحظى بشرعية دولية وبموجبه حصلنا على صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، وحتى نبقيه لأجيالنا القادمة، ولكن يجب أن لا نبنى وهما بأننا سنحصل على دولة فلسطينية وفق موازين القوى الحالية، وبالتالي يجب أن نصوغ برامجنا السياسية والاقتصادية بحيث تهدف إلى حماية شعبنا وتمكينه من الصمود والتشبث بالأرض، والحفاظ على الهوية الجمعية الفلسطينية إلى جانب الذاكرة السياسية للشعب الفلسطيني التي تحاول إسرائيل احتواءها والسطو عليها، ولكن هذا الحديث يقودنا إلى ضرورة تجميع الرواية الفلسطينية وتعميمها من خلال رؤية فلسطينية واضحة، وإذا كان المشروع الصهيوني كما صفقة القرن يهدفان إلى تفتيت الشعب الفلسطيني والتعامل معه كتجمعات سكانية، والمثال على ذلك ما تخطط له إدارة ترامب بشأن قضية اللاجئين “إسقاط حق العودة” إلى إحالة الأونروا على التقاعد من خلال تجفيف الدعم المقدم لها باعتبارها الشاهد القانوني السياسي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القانون الدولي، وبالتالي يتم المس بوحدة اللاجئين السياسية لصالح سياسة التفتيت والتوطين، ومن هنا وجب علينا تصحيح السياسة الخاطئة التي نتجت بعد أوسلو بتجاهل التجمعات الفلسطينية في الشتات الذين شعروا أن السلطة الفلسطينية لا تمثلهم،  مع ملاحظة أن دور منظمة التحرير تراجع كثيرا وبات محصورا في أراضي السلطة الفلسطينية، ومن هنا علينا البحث عن صيغ وطرق واهتمام بفلسطينيي الشتات وفق خصوصية كل تجمع من خلال المنتديات واللجان، وفي هذه المعادلة يكون هناك دور مهم لرأس المال الفلسطيني، لأنه من غير المعقول ان تنجح إسرائيل في تجميع اليهود في العالم، وأن يكون رأس المال اليهودي في خدمتها، في حين أننا فشلنا في دفع رأس المال الفلسطيني في الخارج للاستثمار في مدينة القدس وباقي أراضي السلطة الفلسطينية، ولكن المدخل للاهتمام بفلسطينيي الشتات هو من خلال التأكيد على حق العودة، من أجل ذلك وجب التأكيد على أهمية تشكيل اللجان التي تدافع عن حق العودة الذي يجب أن يبقى حيا، لأنه مرتبط بالذاكرة الفلسطينية التي وجب علينا تجميعها.

إن الصراع الحقيقي في هذه المرحلة هو ذلك الذي يدور في مدينة القدس والضفة الغربية ضد الاستيطان ومشاريع التهويد وعربدة المستوطنين. وحتى يكون شعبنا جاهزا لهذه المواجهة يجب على منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية صياغة رؤية موحدة تهدف إلى تحديد الوسائل والأهداف بدقة، ولكن بدون وحدتنا الميدانية لا نستطيع مواجهة مشاريع الضم والالحاق الاسرائيلية للضفة والقدس، ولكن قبل ذلك علينا أن نزيل الانقسام غير المفهوم، لأن ما يوحدنا أكثر بكثير مما يفرقنا،  لأن بوحدتنا السياسية نعزز التمثيل السياسي والهوية الوطنية والتأكيد على منظمة التحرير الفلسطينية.