محمد حجازي يكتب: في وداع حسين حجازي.. الكاتب المثقف

 

 

تعرفت في المرة الأولى على حسين حجازي، في العاصمة اللبنانية بيروت في أواسط السبعينات، كنت حينها فتى لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري، أمضيت معه عدة أيام في نادي الأرض الذي يقع في مخيم شاتيلا في بيروت، والذي أنشأه مجموعة من المثقفين، الذين برزوا فيما بعد ككتاب وصحفيين كبار في زماننا.

كان حسين في ذلك الوقت شابا في مقتبل العمر نحيفا بعينين سوداوين صغيرتين، كانت تدور نقاشات عميقة في الشأن الفلسطيني، حيث كان الشباب الفلسطيني في ذلك الوقت مسكونا بهاجس البديل الثوري، كنت أستمع له بفخر وبفرح، ومنذ ذلك الوقت أحببت حسين وتعلقت به كمثقف بارع، المرة الثانية التقيته في بيروت عام 1982 حيث كان الحصار والحرب، خرجنا سويا من بيروت إلى دمشق في مخيم اليرموك حيث تسكن عائلتي، أقام حسين وزوجته في منزلنا لحين البحث عن منزل خاص بهما.

في دمشق عمل حسين حجازي في مجلة الحرية، كان يكتب مقالاته باسمه الحقيقي  و باسم حازم إبراهيم، وكنت في ذلك الوقت أزوره باستمرار في مقر مجلة الحرية، وهناك تعرفت على حسين الكاتب المثقف، حيث واظبت على قراءة كل مقالاته، وبدأ شغفي بالصحافة والكتابة.. تعلمت كتابة المقال وأكثر من ذلك القراءة.

غادر حسين حجازي إلى قبرص وأقام في المدينة الساحلية نيقوسيا، حيث عمل وكتب لمجلة فلسطين الثورة، وأيضا استخدم اسمه واسمه الآخر حازم إبراهيم، حيث كان يكتب مقالين في نفس العدد أسبوعيا غالبا، كنت حينها أدرس في صوفيا، وكانت تصلنا مجلة فلسطين الثورة واظبت على قراءتها حيث كانت تضم خيرة الصحفيين الفلسطينيين، كانت حينها الانتفاضة الأولى مشتعلة في الأرض المحتلة فلسطين، كتب حسين كثيرا عن الانتفاضة بشكل عميق وبلغة وجدانية جميلة وبرؤية استراتيجية واضحة.

عاد حسين إلى أرض الوطن المكبل باتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية، وفي قطاع غزة بدأت رحلة حسين الأخيرة حيث كتب لصحيفة الحياة اللندنية، وعمل في وزارة الخارجية مسؤولا للإعلام.. في وزارة الخارجية كان مواظبا بشكل أسبوعي على كتابة نشرة سياسية أسماها “الحقيبة”، كانت توزع على كل السفارات الفلسطينية في الخارج، وقام بتأسيس فصلية سياسية قضايا وشهادات صدر منها عدة أعداد وتوقفت عن الصدور، ومع تأسيس صحيفة الأيام اليومية كان من أوائل الذين كتب فيها مقالا أسبوعيا، وهي الصحيفة التي بقي يكتب فيها حتى وفاته فجر السابع من فبرايل عام 2019 بعد أكثر من أربعين عاما قضاها في الكتابة، حظيت مقالات حسين باهتمام واسع في أوساط السياسيين والمثقفين والناس العاديين، اتسمت بالعمق واللغة الجميلة، وبرؤية استراتيجية، وكان كثيرا يستخدم مقولات الجنرال كلاوزفيتر الذي كتب كتابا جميلا ومثيرا للجدل “عن الحرب”.. كتب بعد الحروب النابليونية والذي يعتبر مرجعا كاملا للاستراتيجيات والوسائل العسكرية، حيث كان له تأثير ضخم على التخطيط العسكري، كان حسين يستخدم ويوظف هذا الكتاب بطريقة مبدعة وغاية في الجمال في مقالاته، كان يوظف أيضا الفلسفة والتاريخ اليوناني والاغريقي في كتاباته وخاصة الميثولوجيا حيث برع في ذلك، كان حسين مثقفا موسوعيا واسع الاطلاع مهووسا بالتاريخ، أذكر حين ذهب لزيارة الشيخ أحمد ياسين مؤسس المجمع الاسلامي وحركة حماس، بحثا عن مكتبة والده التي كان قد تبرع بها أخوه الأصغر لمكتبة المجمع الاسلامي، كان يسعى لاستعادتها ولكنه فوجئ بضياعها وفقدانها، وأجزم أن حسينا كان قد حفظ عن ظهر قلب الكثير من كتب أبيه، عندما عاد خائبا من رحلة البحث عن مكتبة أبيه، التقيته في الشارع وسألته هل استعدت المكتبة؟.. نظر إلي وقسمات وجهه حزينة وأومأ برأسه ثم ذهبنا لنسير على شارع كورنيش البحر، في ذلك اليوم مشينا لساعات طويلة كان يتحدث كالطفل الذي فقد شيئا عزيزا، وصف لي كتب والده كتابا كتابا، وفي كل وصف يلتفت إلي ليقول ما همهم بكتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني أو ديوان الجاحظ والمتنبي ما همهم بذلك كيف لأخي أن يتبرع بكل هذه الكتب، عندها علمت أن حسين موجود في هذه الكتب حيث فتح عينيه وتصفحها وقرأها.

أحب حسين ياسر عرفات كثيرا، إذ لا يكاد يخلو مقال من ذكره، كان يعتبره أبا الوطنية الفلسطينية وصاحبها، أعجب بحنكته السياسية واستغلاله للفرص وتوظيفه لعناصر قوة الشعب الفلسطيني، كتب عن ياسر عرفات أنه استطاع هو حفنة من قيادة فتح تحويل حلقات صغيرة من المناضلين، كانت مطاردة من لدن معظم الدول العربية، تحويل فتح الى حركة وطنية لعموم الفلسطينيين، كتب عن حيدر عبد الشافي حين تحدث معه في منزله، إنني أرى وجه الشبه بينك وبين جورج حبش والزعيم اللبناني الماروني ريمون إده، فثلاثتكم تصلحون أن تكونوا مصلحين عظاما، ولكنكم لا تصلحون أن تكونوا قادة سياسيين، فطباعكم النبيلة والأرستقراطية كما فضائلكم تنأى بكم عن تحمل لوثة السياسة، وفي ظنه يقول عرفات هو القائد السياسي، لأنه جاهز لأن يلوث يديه بالسياسة.

مات حسين حجازي عن عمر 65 عاما.. رحل مبكرا فالمرض “السكري” لم يمهله طويلا.. خانه قلبه الذي توقف عن النبض لينهى حياة فارس لوهلة ترجل من حصانه راجعا من معركته الأخيرة.. وبالنسبة لحسين معركته الأخيرة هي مقاله الأخير، وداعا حسين وداعا أبا جهاد.