محمد حجازي يكتب: قطاع غزة في معادلة التهدئة

 

 

لم تعد الرؤية الإسرائيلية لقطاع غزة خاضعة للتقديرات السياسية فحسب، بل أصبح السيناريو أشد وضوحا، حين يقول نتياهو في أكثر من مناسبة إن رؤيته لقطاع غزة تتلخص بالحفاظ على فصله عن الضفة الغربية لمنع إنشاء دولة فلسطينية، وإنه لا يسعى لحرب مع قطاع غزة لا ضرورة لها.

وبكل تبجح قال للصحافة العبرية أيضا إنه عرض على قادة عرب تولى مسؤولية إدارة القطاع بعد احتلاله والقضاء على حماس ولكنهم رفضوا. وأضاف أيضا إنه لا يريد تحمل تبعات 2 مليون فلسطيني في قطاع غزة، أي أنه لا يريد احتلال قطاع غزة ولا يريد إعادة الإدارة المدنية للقطاع، وبالمقابل قال أيضا: إنه لا يريد تسليم القطاع إلى “أبو مازن” حتى لا يتوحد الفلسطينيون.

وإذا كانت هذه رؤية نتنياهو فبالمقابل وجب على القيادات الفلسطينية مقاومة ذلك من خلال التأكيد على إنهاء الانقسام ووحدة المؤسسات الفلسطينية، لأن أي مشروع دون ذلك فهو يصب في مصلحة نتنياهو بفصل القطاع عن الضفة الغربية ومدينة القدس، وأكثر حين يصبح القطاع جزءا من صفقة القرن، أي أن يكون وطنا للفلسطينيين مع توسعه في سيناء على حساب أراضي مصر الشقيقة، مع التأكيد أن حل مشكلة الكثافة السكانية المتزايدة باضطراد لا يأتي على حساب الشقيقة مصر، بل عن طريق عودة لاجئي قطاع غزة إلى أراضيهم وفي أسوأ الحالات توزعهم على أراضي دولة فلسطين وخاصة الأزواج الشابة منهم.

التهدئة التي عقدتها حركة حماس مع العدو الاسرائيلي، تفتح الباب لكثير من التساؤلات والشكوك، خاصة وأن بنود التهدئة لا تقدم حلا لكل مشاكل القطاع، حيث يبلغ عدد الخريجين العاطلين عن العمل حوالي 170 ألف خريج، جزء كبير منهم يحملون شهادات علمية عليا، يدرس في الجامعات الفلسطينية حوالي 85 ألف طالب وطالبة، فئة الشباب بالنسبة لعدد السكان تقترب من 50 بالمئة، نسبة البطالة تصل لأكثر من 65 بالمئة، فبند التشغيل المؤقت الذي جاء في بنود التهدئة لا يستوعب هذا العد أو جزءا معقولا منه، هل يحتاج الشباب للعمل المؤقت “بطالة لمدة 3 شهور”، وهل بنود التهدئة تصنع بنية اقتصادية تحقق الاستدامة، ويضاف إلى ذلك بالطبع البنية التحتية التي تحتاج الى تمويل كبير بعد الإهمال والخراب الذي أصابها في الحروب الماضية، نعلم أن قطاع غزة يحتاج إلى أكثر من 250 مليون دولار شهريا كموازنة تشغيلية، المبالغ القطرية التي من الممكن أن تدفع لحركة حماس تبلغ 40 أو 35 ملون دولار، هذه الأموال جزء منها لموازنة الرواتب “لموظفي حماس” وجزء برامج التشغيل حوالي 5 ملايين وجزء لتشغيل محطة الكهرباء مع وعود قطرية أيضا لتحويلها للغاز بدلل من السولار الصناعي ذي التكلفة العالية، وبالتالي هل هذه الأموال تكفي لإحداث تنمية اقتصادية اجتماعية مستدامة؟..  الجواب بالتأكيد: لا.. الفئة الأكثر تهميشا وتضررا هي الشباب وخاصة الخريجين منهم.

إن المبالغة في تقدير منافع التهدئة ستنعكس سلبا على حركة حماس، لأن حسابات نتنياهو السياسية لها أهدافها، خاصة أن هناك ميلا لتجاهل الأضرار السياسية الخطيرة التي من الممكن أن تنشأ للقضية الفلسطينية، وفي مقدمة ذلك المس بوحدة شعبنا من خلال ذهاب القطاع لسيناريو يعد له في أروقة صناع القرار في الإدارة الأمريكية وإسرائيل، لأن سياسية إسرائيل للتعامل مع الفلسطينيين هي التجزئة، أي تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى معازل سكانية وضم مناطق ” c ”  إلى السيطرة الإسرائيلية وإلى جانب ضم الأغوار بالكامل ومستوطنات الضفة الغربية، ولتنفيذ هذا الحل يجب أن تكون البداية من قطاع غزة، لأن مشكلة إسرائيل مع قطاع غزة هي الكتلة البشرية سريعة الزيادة في منطقة بلا موارد وغير صالحة للحياة بحسب تقرير الأمم المتحدة، لذلك إسرائيل تخشى أن ينفجر القطاع في وجهها من خلال اقتحام الحدود الصناعية مع أراضي فلسطين التاريخية، لهذا تسعى إسرائيل وعبر مراكز الدراسات لإيجاد حل لهذه الكتلة، ففي كتاب لغيورا آيلاند حدد الخارطة السكانية الجديدة لقطاع غزة بضم أراضي واسعة في سيناء، ولكن من المفيد أن نقول أن خطط إسرائيل والإدارة الأمريكية ليست قدرا على الفلسطينيين، لأن شعبنا مازال يمتلك قدرات كبيرة لوأد المؤامرة وأن الوقت لم يفت، فمازال هناك إمكانية للحوار لإنجاز توافقا بين حركتي فتح وحماس والاتفاق على برنامج توافقي تشاركي يساعد على استعادة وحدة مؤسساتنا الوطنية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كل المعطيات الاقتصادية تقول إنه لا يمكن حل مشاكل قطاع غزة بدون أن يكون جزءا كاملا من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية، أي عندما نوحد مؤسساتنا وأن يكون القطاع جزءا أصيلا من السلطة الفلسطينية، لأن الموازنة العامة للسلطة والتي تتجاوز 6 مليارات دولار في حال إنهاء الانقسام، تستطيع إنجاز تنمية مستدامة وتوفير آلاف الوظائف لفئة الخريجين، إلى جانب أنه عندما تكون السلطة موحدة هذا يشجع المانحين سواء من العرب أو الأوروبيين من تقديم الأموال اللازمة لإعادة إعمار القطاع المدمر والمتهالك.