محمد حجازي يكتب: مناقشة التحرك الفلسطيني بعد طرح «صفقة القرن»

محمد حجازي

هناك شعور لدى الكثيرين من الفلسطينيين في المستويين الحزبي والشعبي، بأن ردود الفعل الفلسطينية ليست بمستوى الحدث، لا قبل ولا بعد إصدار “صفقة القرن” التي بانت مجمل فصولها على الأرض قبل طرح الرئيس ترامب للصفقة، من خلال إصدار العديد من القرارات  خاصة المتعلقة بمدينة القدس والمستوطنات والأونروا.

وحتى تضح الصورة أكثر ينبغي مناقشة التحرك الفلسطيني ضد صفقة القرن في ثلاثة مستويات: الأول هو المسار العربي والدولي، فالمسار الرسمي الفلسطيني يسير باتجاه صحيح من خلال التأكيد على حل الدولة الفلسطينية والقرارات الشرعية ذات الصلة، إلى جانب حث الدول على اتخاذ موقف ضد صفقة القرن. وهناك العديد من الاجتماعات التي ستعقد في هذا المجال، خاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. الفلسطينيون غالبا ما ينجحون في كسب نقاط في هذا المسار، خاصة وأن هناك ردود فعل قوية ظهرت سواء في أمريكا أو أوروبا “وثيقة أعضاء الكونغرس الأمريكي، ومجلس العموم البريطاني”.. الموقف الروسي والفرنسي متقدمان بهذا المجال وينبغي استثمارهما، ولكن الثغرة في النشاط الدبلوماسي تبقى في نشاط السفارات الفلسطينية المنتشرة في أصقاع الأرض، والتي من المفترض أن تكون نشطة في التأثير على  حكومات وبرلمانات ومؤسسات الدول التي تعمل بها، وهذه المهمة يجب أن تكون دائمة وليست موسمية، موضوع السفارات يجب أن يناقش بجدية وبمسؤولية من جهة جدواها وقدرتها على التأثير في الرأي العام المحلى في كل دولة تعمل بها سفارة للفلسطينيين، هذه مسألة غاية في الأهمية.

والمسار الثاني هو قضية تغيير وظيفة السلطة وتقوية منظمة التحرير الفلسطينية. الدكتور ناصر القدوة قال في لقائه مع قناة «الغد»: إن تغيير وظيفة السلطة يعني تحولها لإدارة محلية تدير شؤون السكان، مع تغيير في وظيفة وعقيدة الأجهزة الأمنية لحماية الفلسطينيين، والمسائل السيادية  تنقل لمنظمة التحرير وهذا يتطلب تقوية منظمة التحرير باعتبارها تضم الجميع، والممر لذلك هو إنهاء الانقسام والتوافق على برنامج سياسي موحد. بالتأكيد هذا الكلام جيد، ولكن الواقع صعب. عقد اجتماع موسع للفلسطينيين يحتاج كل هذا الوقت، فما بالنا في البنود الأخرى؟! والمسألة الأهم أن الفلسطينيين لم يتوحدوا بعد قرارات الرئيس ترامب بشأن القدس  والاستيطان والموقف من الأونروا وقضية اللاجئين، فهل يتوحدون بعد طرح صفقة القرن؟!.

يرى الكثيرون من الفلسطينيين أن الفصائل المختلفة أصبحت غير جديرة بقيادة المرحلة المقبلة، وأنها ليست إلاَ ظواهر صوتية أكثر منها فاعلة على الأرض إزاء صفقة القرن. حركة حماس كانت ولازالت  قد حسمت أمرها بشأن غزة أولا أي تعزيز وتقوية حكمها في قطاع غزة لأسباب عديدة، أقلها أن القطاع يوفر لها ميزانية للصرف على أعضائها ومؤسساتها. أنظر تصريح البردويل الذي قال إن مهمة الوفد الفلسطيني الذي سيأتي من رام الله إلى القطاع هي مناقشة بند واحد فقط، وهو الموقف من صفقة القرن، أي لا حديث عن إنهاء الانقسام. الصورة الباهتة التي أظهرتها الفصائل في نشاطها غير الموحدة إزاء مواجهة صفقة القرن تشير إلى أي مدى  وصلت إليه الأمور.

لذلك لا بد من أن ننتقل إلى المستوى الثالث في النقاش، وهو على الصعيد الشعبي.. في ديباجة صفقة القرن يتم الحديث عن الفلسطينيين وليس عن الشعب الفلسطيني، أي أن الصفقة تتحدث عن السكان.. يوجد على أرض فلسطين التاريخية أكثر من ستة ملايين فلسطيني موزعين بين مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطينيي 48. الانطلاق بدرجة أساسية يجب أن يبدأ من هنا؛ إعادة الاعتبار للشعب الفلسطيني من خلال نشاط النخب الفلسطينية المختلفة، مستقلين أو حزبيين، والدعوة لعقد مؤتمرات شعبية.. وقبل ذلك مؤتمر للنخب الفلسطينية لتحديد خارطة طريق للنضال الشعبي ضد صفقة القرن، بعد ذلك تشكيل لجان شعبية في كل قرية ومدينة وحي للتحضير لانتفاضة شعبية عارمة ضد المحتل، بحيث نجعل الوجود الاستيطاني والاحتلال مكلفا للعدو، عندها سيجعل الفلسطينيون العالم يقف على قدم واحدة كما حدث بالانتفاضة الأولى عام 1987. ذهاب الفلسطينيين إلى إنتفاضة شعبية غير مسلحة حيث الطابع الجماهيري الواسع يكون طاغيا، هذا من شأنه أن ينعكس على كل مجالات النضال الوطني وعلى الوضع الداخلي خاصة منظمة التحرير، وسيسرع ملف إنهاء الانقسام، فبدون الاستناد إلى العامل الجماهيري في الصراع سيكون وضعنا صعبًا، وسنعيش أزمة المشروع الوطني والقضية وأزمة التمثيل السياسي، ويصبح العالم يتعامل مع سكان محليين وليس مع شعب ضارب في التاريخ.