مياه الخليج فوق فوهة بركان.. نذير حرب بين واشنطن وطهران أم مجرد تلويح بالقوة؟!

التساؤل القائم الآن داخل الدوائر السياسية في الغرب: تحركات واشنطن في الخليج..احتواء للأزمة أم نذير للحرب؟ خبراء عسكريون يستبعدون تماما مواجهة عسكرية على مياه الخليج، ويرجحون سيناريو ارتفاع سقف الضغوطات الأمريكية على طهران، وتتفق هذه الرؤية ـ ترجيح سيناريو الضغوط ـ مع ما يراه المراقبون بأن واشنطن سوف تواصل ضغوطها تجاه طهران بشكل قوى مع وجود دعم دولي متزايد، حيث استجابت جميع الدول للقرارات الأمريكية الرامية بوقف استيراد النفط من إيران وخنقها اقتصادياً من أجل إجبارها على تغيير مواقفها العدوانية في المنطقة.. وأن ما يجرى من تحركات عسكرية أمريكية، يأتى فى الأساس لردع ايران عن القيام بأي محاولة غير محسوبة تستهدف مصالحها أو مصالح حلفائها فى الخليج، إذا ما قرر النظام الإيراني استخدام الصواريخ الباليستية التي يملكها فى ضرب قواعدها بالمنطقة، كما أنها تعتبر رسالة طمأنة لدول الخليج مفادها، أن واشنطن ملتزمة بالدفاع عن حلفائها ضد التهديدات الإيرانية، وأن واشنطن تعتبر منطقة الخليج العربي خطا أحمر.


رسالة تحذير أمريكية

وبحسب تقديرات الدوائر العسكرية في موسكو، فإن منطقة الخليج تشهد توجيه رسالة تحذير أمريكية حازمة لطهران، تمثلت في إرسال الجيش الأمريكي على الفور ترسانة عسكرية هائلة إلى الشرق الأوسط، ضمت حاملة الطائرات «يو اس اس إبراهام لينكولن» إلى جانب مدمرات أخرى، ونشر صواريخ باتريوت إضافية، ووصول قاذفات «B-52» إلى قاعدة «العديد» القطرية فى الخليج، وصولا الى قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بفرض عقوبات مشددة على تصدير النفط لكي يصل إلى نقطة الصفر..والرسالة الأمريكية لا تنبىء بنذير حرب بين طهران وواشنطن، ولكن مجرد تلويح بالقوة، يبدأ بعدها التراجع إلى الخلف وفقا لنتائج الضغوط الأمريكية على طهران، والابتزاز الأمريكي من جانب آخر لدول في المنطقة تخشى التحركات والتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز وإعلانها استئناف برنامجها النووي المتوقف، ردا على تشديد العقوبات الأمريكية عليها، في إطار الخطوات المتلاحقة لإدارة الرئيس ترامب في محاصرة إيران منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين طهران ومجموعة «5+1».

• أي حالة من التخوف والقلق في واشنطن ودول الخليج من إقدام نظام الإيراني على أي عمل يمكن أن يتسبب في إشعال فتيل الحرب.

أمريكا تتحسب جيدا لمخاطر الحرب في الخليج

ويرى المحلل السياسي الروسي،ألكسندر نازاروف، أنه لا يوجد أي أساس منطقي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لهجوم عسكري على إيران الآن تحديدا، في الوقت الذي بدأ فيه سريان العقوبات الأمريكية ضدها، وما هي إلا بضعة أشهر، ربما بضعة أعوام، وسوف تظهر الآثار الاقتصادية لهذه العقوبات بكامل قوتها. كذلك فإن إيران هي قوة عسكرية توضع في الحسبان، ولا شك أن أي مواجهة معها سوف تؤدي، على أقل تقدير، إلى شلل في قطاعات كبيرة من حركة التجارة العالمية للنفط والغاز، ما يمكن أن يتسبب، في خسائر كبيرة لأعداء إيران أيضا. كما أن واشنطن تجيد آليات «الثورات الملوّنة»، تنفذها ببراعة، ولها في ذلك خبرة طويلة، وبإمكانها حينما تسود الفوضى مع انهيار الاقتصاد الإيراني، تنصيب أي نظام تابع «ماريونيت» في الداخل، كل ما هنالك فقط، يتعيّن الانتظار لحين نضوج ثمرة العقوبات الاقتصادية على إيران.

إسرائيل تسعى لتحقيق أهدافها بتوجيه ضربة عسكرية لإيران

وهناك أيضا العامل الإسرائيلي، حيث تريد طهران معاودة تخصيب اليورانيوم، بينما تصرّح إسرائيل أنها لن تسمح بامتلاك إيران للسلاح النووي، ما يجعل من المنطقي أن تنتظر إسرائيل أول فرصة سانحة لتحقيق أهدافها بتوجيه ضربة عسكرية امريكية لطهران، بل وأن تسرع في ذلك، فضلا عن وجود لوبي من النشطاء لصالح إسرائيل، داخل إدارة الرئيس ترامب، يستطيعون جعل المنطق الإسرائيلي أحد المحركات الأساسية لتصرفات الرئيس ترامب ضد إيران، لكن عملا عسكريا محدودا الآن ضد أهداف إيرانية «ردا على هجمات ناقلات النفط»، يمكن أن يدخل ضمن نطاق التصور الإسرائيلي للإجراءات والمنطق والرد المناسب.

• بهذا نصل إلي استنتاج مفاده أن اندلاع الحرب وارد، لكنه من الوارد أيضا أن تكون الهجمات على ناقلات النفط مجرد مرحلة من مراحل التصعيد المقبلة، التي لن ترقى إلى الحرب في اللحظة الراهنة.

 

شرعنة فرض الحصار على إيران

ويلفت المحلل السياسي الروسي، نازاروف، الانتباه إلى أن ضخامة التأثير السياسي للهجمات على ناقلات النفط الأربع بالقرب من ساحل إمارة الفجيرة، تتناقض مع ضآلة حجم الأضرار المادية، وغياب أي أضرار بيئية لها، وبدلا من أن يضمن مدبرو الهجوم إغراق إحدى الناقلات، جعلوا من الهجوم عملا واسع الانتشار في حدوده القصوى، مع الإبقاء على الخسائر والأضرار في حدودها الدنيا، وقد اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران بالهجوم على الناقلات، وأنكرت الأخيرة أي ضلوع لها في ذلك، ومن المرجح أن يكون الدافع الأساسي لتلك الهجمات، حشد الحلفاء المترددين حول الولايات المتحدة، والتخلص من مناهضي الضغط على إيران، وكذلك شرعنة إمكانية فرض الحصار على إيران. فقد كانت أوروبا ضد الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، والصين ضد العدوان على إيران، أمّا الآن فسوف تصبح كل من أوروبا والصين، في ظل التهديدات والتداعيات الراهنة، من أكبر الداعمين لأي إجراء أمريكي ضد إيران، يحافظ على سيولة حركة النفط والغاز عبر مضيق هرمز، ومن المحتمل أيضا أن نشهد هجمات جديدة على ناقلات ومنشآت نفطية في الخليج، تحمل تبعات أكثر خطورة، وتدفع الولايات المتحدة الأمريكية للشروع في إجراءات عقابية جديدة ذات طابع عسكري، مثل حصار بحري خانق لإيران، أو سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز، بغرض «الحفاظ على سلامة المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية»..وهذا، بطبيعة الحال، سوف يضع إيران في مأزق بلا خيارات سلمية، سوى محاولة كسر هذا الحصار، وهو ما يمكن أن يستغل كذريعة لشن الحرب، لكن الوصول لذلك الوضع لابد وأن يتطلب عددا من مراحل التصعيد.

قرع طبول الحرب بين خيارين

ومن الواضح أن العلاقات بين واشنطن وطهران وصلت إلى أعلى مستويات التهديد لتنذر بوقوع حرب وشيكة، وأن البيت الأبيض قرع طبول الحرب جدّياً هذه المرة.. ولكن في المفابل فإن احتمالات دخول ايران فى مواجهة عسكرية مع واشنطن تكاد تكون ضئيلة فإيران ليس لديها قدرة على شن حرب شاملة فى منطقة الخليج وهي تقع تحت طائلة عقوبات اقتصادية خانقة.. بينما يؤكد مسئولون أمريكيون، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، أن المعلومات الاستخباراتية التى تأكدت أواخر الأسبوع قبل الماضى أشارت إلى أن إيران تعتزم تنظيم هجمات فى مضيق باب المندب بالقرب من اليمن من خلال وكلاء محليين، وربما شن هجمات فى الخليج العربى عبر طائرات إيرانية مسلحة بدون طيار، وهذا ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية يوم الجمعة الماضى (10/5/2019) للكشف عن المزيد من قرارات التصعيد والوصول بالجاهزية العسكرية الأمريكية إلى ذروتها.

• وفى ظل مثل هذه الأجواء لم يكن قد بقى شيء يمنع قرار الحرب من جانب الولايات المتحدة، لكن الذى تأكد، بعد كل هذا التصعيد الأمريكي، بحسب تحليل الخبير في الشئون السياسية والاستراتيجية، د. محمد السعيد إدريس، أن كل ما فعلته الولايات المتحدة كان بغرض «ردع إيران» أو «إرهابها» و«تخويفها» وإجبارها على الانصياع للمطالب الأمريكية التى أجملها وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو فى 12 مطلباً تشمل قبول إيران الدخول فى مفاوضات جديدة حول اتفاق نووى جديد بديل للاتفاق الموقع عام 2015 مع القوى الدولية الكبرى يؤمن عدم تمكين إيران نهائياً من أن تصبح قوة نووية، إضافة إلى وقف برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنهاء سياسة التدخل الإيرانية فى الشئون الداخلية للدول المجاورة، ومطالب أخرى تعنى كلها إنهاء ما تعتبره واشنطن خطراً أو تهديداً إيرانياً للمصالح الأمريكية وللحلفاء الأمريكيين فى المنطقة سواء كانوا إسرائيليين أم عرباً.

 

هل تتصل إيران بـ «الرقم الخاص» الأمريكي؟

يبدو أن الأمريكيين يريدون التفاوض مع إيران، هذا هو قرار ما بعد الوصول بالأزمة إلى حافة الهاوية، فقد كشفت شبكة «سى إن إن» أن البيت الأبيض مرر الرقم الخاص إلى سويسرا باعتبارها تمثل المصالح الإيرانية مع أمريكا فى حال رغبتهم الاتصال به.. والسؤال: هل تتصل إيران أم تصّر على الصمود في وجه العقوابات والضغوطات والتهديات الأمريكية؟

حافة الهاوية .. قبل حافة الحرب !!

هناك من يرى، أن هذه ليست هى نهاية المطاف.. فإذا كان الأمريكيون قد حددوا موقفهم بالتراجع عن قرار الحرب بعد الوصول بالأزمة إلى حافة الهاوية وطالبوا إيران بالعودة إلى مائدة التفاوض والاتصال المباشر بالبيت الأبيض، فإن الإيرانيين رددوا بأن واشنطن تعلم هى الأخرى أرقام التليفونات الإيرانية، إذا هى قبلت بالشروط الإيرانية للتفاوض المحصورة فى مطلبين أولهما التراجع الأمريكي عن فرض العقوبات الاقتصادية على إيران وثانيهما العودة الأمريكية للاتفاق النووى الموقع مع إيران الذى انسحبت منه.

 

• وهذا يعني أن التوتر الساخن بين واشنطن وطهران مرشح للبقاء فترة طويلة، ولكن دون الوصول إلى حافة الحرب.. وقد يصل إلى حافة الهاوية قبل أن يتراجع طرفا للخلف، أو يتم التوافق على تنازلات متبادلة!!