نادر الغول يكتب: خطاب الرئاسة الثانية

لطالما كانت خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إشكالية، ربما نستثني منها خطابات حالة الاتحاد التي تكون مكتوبة ويبقى الرجل في إطار ما هو مكتوب.. على عكس الكثير من خطاباته الانتخابية أو حتى خطاباته في البيت الأبيض، حيث يشعر أنه أكثر حرية في التعبير عن مواقفه الشخصية ويخرج عن النص كيفما شاء.

في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس ترامب يوم الثلاثاء، وهو ربما يكون الأفضل للرجل خلال ثلاث سنوات حكمه، استطاع ترامب مخاطبة القاعدة الانتخابية وتقديم أجندة انتخابية للأمريكي غير المسيس، وهو ما ينم عن ذكاء في التعاطي مع الناخب الأمريكي وتقديم أجندة انتخابية تناسب كل الفئات، وخاصة في ظل الفوضى التي عاناها الحزب الديمقراطي في  أول جولة من الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا، والتي طرحت كثيرا من التساؤلات عن قدرة الحزب على إدارة انتخاباته الداخلية، والتشكيك الحاصل في نتائج الانتخابات والتي خالفت كل التوقعات وقدمت الأفضلية حتى الآن للمرشح الديمقراطي مثلي الجنس الوحيد في المنافسة بيت بوتاجاج بعد فرز ٧١٪ من نتائج انتخابات ولاية أيوا، حتى كتابة هذه المادة.

ترامب من خلال الخطاب وجه ضربة للحزب الديمقراطي، وخاصة عندما قال بصراحة: “إن أميركا لن تكون اشتراكية”، وهو هنا يلمح إلى احتمالية أو إمكانية فوز السيناتور بيرني ساندرز بترشيح الحزب الديمقراطي، وهو الذي يقدم نفسه على أنه اشتراكي ديمقراطي، وهو يهاجم صراحة من قبل الحرس القديم في الحزب والذي خرج أحدهم اليوم ليقول: “إنني خائف حد الموت أن يتحول الحزب الديمقراطي إلى حزب العمال البريطاني”. وهذا الهجوم كان مركزاً، وخاصة أن ترامب قدم الفكرة من خلال أن أميركا برئيس اشتراكي سوف تحرم كبار السن الأمريكيين والمستفيدين من الضمان الاجتماعي من حقوقهم المادية والصحية في حال إنتخاب إشتراكي يريد تطبيق الضمان الصحي العالمي (تأمين صحي للجميع على حساب الحكومة)، وبالتالي بطريقة غير مباشرة يطالبهم بالتصويت لمرشح لديه أجندة أمريكية، وفي هذه الحالة دونالد ترامب.

الخطاب بشكل عام ناقش العديد من القضايا التي تهم الناخب الأمريكي العادي غير المعني بالتجاذبات السياسية بين الحزبين، ناخب يريد اقتصادا أكثر ثباتاً، وهو ما حاول ترامب تقديمه من خلال التفاخر بالاتفاقيات التجارية مع دول أميركا الشمالية والمرحلة الأولى من الاتفاق التجاري مع الصين. إلى جانب أن ترامب حاول التقرب من الأقليات من خلال ضيوفه، والذين ركز في أن يكون أغلبهم من الأقليات العرقية وخاصة السوداء، في رسالة موجهة لهذه الأقليات، والتي صوتت لصالحه في الانتخابات السابقة بنسب متدنية على سبيل المثال بحدود ١١٪ من السود والأفارقة الأمريكيين، وبالتالي يحاول أن يستقطب المزيد منهم من خلال تقديم مجموعة من مشاريع القوانين، التي طالب الكونغرس بتبنيها، تساعد هذه الأقليات على تجاوز أزماتهم وخاصة الاقتصادية، وهو عامل مهم جداً. على سبيل المثال، قانون لدعم الجامعات وكليات المجتمع الموجودة في التجمعات السكانية السوداء والافريقية، والتي تعاني من أزمات مالية حقيقية. إلى جانب تأكيده على القانون المعدل للعقوبات الجنائية الذي تم تبنيه خلال عهده، والذي عانى السود في الولايات المتحدة الكثير من الظلم قبل تبنيه، حسب بعض الدراسات فإن واحدا من كل ثلاثة أفارقة أمريكيين دخل السجن. وهنا يضرب على وتر ومرشح آخر، وهو نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الذي يحظى بشعبية كبيرة بين هؤلاء الناخبين، والذي هو استمرارية للحرس القديم في الحزب وأحد داعمي القانون القديم والذي تم تبنيه خلال عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وكان بايدن قد عانى من ضربة انتخابية في انتخابات ولاية أيوا التمهيدية، حيث حل في المركز الرابع حسب المعطيات المتوفرة.

خطاب ترامب، والذي بالتأكيد فيه الكثير من المعلومات المغلوطة وخاصة فيما يخص الأرقام التي قدمها حول البطالة وعدد الوظائف التي تم استحداثها والكثير من الأرقام الأخرى، ولكن التأثير المباشر الذي أراده الرجل قد حققه. وهو بذلك يوجه رسالة تحذير غير مباشرة للديمقراطيين بضرورة إعادة ترتيب أوراقهم وتقديم مرشح يستطيع أن يقدم أجندة أكثر قبولا للناخب الأمريكي من الأجندة التي قدمها.

ترامب جاء إلى مجلس النواب وهو مدان ولم تتم تبرئته من لوائح الاتهام التي قدمها المجلس في حقه، إلا أن الرجل دخل قاعة مجلس النواب غير مكترث وبالكثير من الغرور، رافضاً مصافحة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وهو ما دفعها لتمزيق نسختها من الخطاب مباشرة بعد انتهاء خطابه. ربما اعتقدت السيدة بيلوسي أنها بذلك وجهت رسالة للرجل، ولكنها حقيقة ظهرت بمظهر الضعيف الذي لم يستطع رد إهانة الرئيس.

ترامب استطاع خلال ساعة وعشرين دقيقة تقريباً من الخطابة التقرب إلى الكثير من الناخبين مقدما لهم برنامجاً انتخابياً نظرياً مقبولا، يخاطب ناخباً متأرجحاً، مقدما له أجندة تشريعية وانتخابية سيحارب من خلالها المرشح الديمقراطي المستقبلي الذي سيتضح من هو الشهر القادم بعد الثلاثاء العظيم الذي سيشهد تصويت ١٤ ولاية في الانتخابات التمهيدية.

الحزب الديمقراطي أمام مهمة صعبة في تهديد استمرارية إدارة ترامب، الحرس القديم وأدواته حتى وإن كانت لا تريد لمرشح مثل بيرني ساندرز الفوز، تسيء لنفسها وتقدم خدمة جليلة للرئيس ترامب. وعليه، على الحزب الديمقراطي السعي للتوحد خلف مرشح واحد، دون التلاعب أو إثارة شكوك حول العملية الانتخابية وطريقة اختيار المرشح الديمقراطي. ما حصل في انتخابات أيوا التمهيدية للحزب لا يبشر بالخير، ويدفع بالكثير من الناخبين الديمقراطيين إلى التشكيك في العملية السياسية وآليات اختيار المرشحين، ويمهد الطريق لدورة رئاسية ثانية لترامب.