نادر الغول يكتب: رسالة الى طلال أبو غزالة

خرج علينا السيد طلال أبو غزالة في برنامج يبث أسبوعيا على قناة تليفزيونية ناطقة بالعربية للحديث عن تصوراته وقراءاته للأحداث الجارية في العالم. وخلال الحلقة الأخيرة التي بثت تحدث كثيرا حول الشأن الأميركي ومستقبل السياسة الأميركية. هذه ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع، وتفنيد بعض ما طرحه السيد أبو غزالة ومحاولة قراءة الأحداث بطريقة مختلفة تتناقض مع ما طرحه خلال برنامجه.

أولا: حديث الرجل أن الرئيس الأميركي باق ويخدم أربع سنوات، اتفق أن كل المعطيات الحالية تقول إن الرئيس دونالد ترامب لديه حظوظ قوية بالفوز بالانتخابات بسبب معطيات كثيرة، مرتبطة أساساً بضعف الحزب الديمقراطي وعدم رغبة الحرس القديم الخوض في التغيير المطلوب للحصول على فرص أفضل للفوز، مثل عدم قدرتهم على الاقتناع بأن قاعدة الحزب تريد التغيير الذي يقدمه المرشح الديمقراطي السيناتور بيرني ساندرز، ليس بالضرورة الاتفاق مع ما يقدمه ساندرز من برنامج انتخابي، ولكن ما يقدمه الرجل يمهد لتغيير جوهري وحقيقي في الحزب الديمقراطي يخاطب التوجهات المختلفة سواء الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية. هذا التغير حاصل منذ ترشح الرجل و منافسته هيلاري كلينتون قبل أربع سنوات، و كتبنا في حينه وجود مرشحين اثنين لديهم حركة سياسية واجتماعية حقيقية في الحياة السياسية الأميركية، هما المرشح في حينها دونالد ترامب والمرشح بيرني ساندرز. وهذه قراءة مبنية على التفاعل المباشر مع الحملات الانتخابية والتي تابعتها بأم العين وليس من خلال شاشة التلفاز. وبالتالي الحكم يقيناً أن ترامب باق، يخالف كل قواعد علم السياسة التي لا تؤمن بوجود ثابت في السياسة.

ثانيا: موضوع الحرب مع الصين. لا أعرف ما هي مراكز الأبحاث التي يتابعها الرجل والتي من خلالها استطاع الرجل استنتاج “صناعة الحرب” حسب وصفه مع الصين. كل مراكز الأبحاث ومن ضمنها مجلس العلاقات الخارجية والذي لطالما مثل مرجعاً مهما للسياسة الأميركية. يقول إنه يجب التعاطي بشكل مختلف لاحتواء الصين، وجميع الدراسات التي تم ترجمتها (بإمكان السيد أبو غزالة الاطلاع عليها فهي متوفرة على موقع الغد) تقدم نموذجا يبتعد كل البعد عن المواجهة العسكرية المباشرة مع الصين. هناك نعم حرب اقتصادية، ونعم وقع الرئيس دونالد ترامب اتفاق المرحلة الأولى مع الصين نهاية العام المنصرم، وجميع التحليلات تقول إن هذا الاتفاق المبهم المعالم لن يستمر، ولكن الرجل بحاجة إلى مادة إعلامية وانتخابية يقدمها لناخبيه، وخاصة مزارعي ولايات الوسط الأميركي والتي تضررت بسبب الحرب الاقتصادية الأخيرة، والتي توفقت فيه الصين على مدى ١٩ شهرا من استيراد محاصيل هؤلاء المزارعين، وبالتالي أصوات انتخابية تميل للتصويت للجمهوريين تاريخياً.

ومن ثم من هو المستفيد من أي حرب تقليدية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؟ لا يوجد مستفيد بالتأكيد من أي مواجهة عسكرية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. نعم هناك توجه من خلال أجندات الأمن القومي والاستراتيجي الأميركي لإدارة ترامب بضرورة مواجهة الصين وتحديد هيمنتها، وخاصة على الدول الأخرى التي تعتبر من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية. ولكن تصرفات الرئيس الأميركي العشوائية والمبنية على ردود الفعل تؤثر سلبا على توجه استراتيجية الإدارة. مثلا، كيف لاستراتيجية احتواء الصين أن تستمر بابتعاد الإدارة الأميركية عن الاتفاق التجاري مع دول المحيط الهادئ؟. إلى جانب ذلك، هناك رغبة لدى ترامب لإلغاء الاتفاق التجاري الاقتصادي مع كوريا الجنوبية، وهو اتفاق أساسا أمني كما كتب بوب وودورد في كتاب “الخوف”، أن الاتفاق بالأساس يعطي الولايات المتحدة أفضلية أمنية من خلال استضافة القواعد العسكرية والتي تسمح باكتشاف أي صاروخ يطلق من كوريا الشمالية خلال ثوان معدودة وبالتالي يعطي الولايات المتحدة أفضلية في الرد على أي عدوان كوري شمالي. بالمناسبة هذا التوجه لتعزيز العلاقات مع دول جنوب شرق آسيا كان لب السياسة الخارجية للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.  أما من الناحية الصينية، فإن الصين تجنباً للدخول في حرب اقتصادية، اتخذت خطوات حقيقية في اتجاه تعديل ممارستها الاقتصادية التي لطالما كانت عدوانية، حصل هناك تحول إيجابي فيما يخص حقوق الملكية الفكرية، وهذا كان أحد مبررات المواجهة الاقتصادية بين الصين والكثير من دول العالم ومن بينها الولايات المتحدة.  بالمحصلة لا أفترض أن الصين، التي تعاني من خسائر اقتصادية جمة بسبب فيروس كورونا، ولا الولايات المتحدة لديهم توجه للدخول في حرب عسكرية مباشرة وتقليدية، تكون مقدمة لكارثة إنسانية حقيقية حال حصلت.

ثالثا: قال الرجل أن ترامب ليس الملام على كل ما يحصل من قرارات في الإدارة الاميركية، ربما كنت سأتفق مع أبو غزالة لو كان الرئيس شخصا غير ترامب. ترامب يمارس صلاحياته كاملة حسب الدستور الأمريكي. ترامب شخصية مختلفة، وترى ذلك بوضوح من خلال انسحابه من اتفاقيات وعقد اتفاقيات بشروط مبهمة فقط للقول إنه انجز الكثير. لنأخذ مثالا موضوع صفقة ترامب للسلام، إذا ما راجعت تصريحات الحرس القديم في السياسة الأميركية لكان انتبه الرجل، إلى أنهم جميعا يعارضون الصفقة والخطة من ناحية المبدأ. ولكن الرجل وشريكه بالصفقة بحاجة إلى إنجاز يتم تسويقه على أنه إنجاز سياسي. ترامب شخصية غير نموذجية يمكن أن نسقط عليها الممارسات القديمة للدولة العميقة أو المستدامة كما يسميها الأميركيون.

وأخيرا: أعتقد أن السيد طلال أبو غزالة شخصية اقتصادية لها حضور مميز في الساحة العربية ولكن التعامل مع الحتميات بالطريقة التي قدمها في برنامجه، تنافي العقل والمنطق وما يحدث فعليا على الساحة الأميركية. يمكنك أن تتابع مراكز أبحاث بعينها ربما تكون أكثر انسجاماً مع توجهاتك السياسية أو الاقتصادية. ولكن ما يحدث في أميركا، وربما ساتفق معه حين وصف الحزب الجمهوري بحزب ترامب، مع ترامب مختلف تماماً. ربما الحالة الوحيدة التي تعمل فيها الدولة المستدامة هي الحالة الروسية. من قبل أن يصبح مرشحا، كان ترامب مفتونا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن الحرس القديم ولوبيات الأسلحة لديها مصلحة ببقاء حالة العداء مع الروس. وهنا أذكر كتابة مادة قبل أربع سنوات أي قبل أن يصبح مرشحا للحزب الجمهوري، أتحدث فيها عن الحالة الترامبية وإشكالاتها، وأن ما قبل ترامب ليس مثل ما بعد ترامب، الحالة التي أحدثها ترامب تستحق المتابعة والبحث والتعمق فيها، لأنها حالة اجتماعية سياسية وثقافية، ولها عواقب لفترة من الزمن حتى يتعافى منها المجتمع السياسي والاجتماعي الأميركي.