هاني حبيب يكتب: أزمة الاقتصاد الفلسطيني.. خلل بنيوي أم سياسات خاطئة ؟!

توصيف الحالة الاقتصادية لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، في سياق تصريحات رئيس الحكومة محمد شتية لم يأت بجديد، فالحديث عن مواجهة خطر الانهيار واحتمالات إفلاس مالية السلطة والتحذير من اتخاذ إجراءات من بينها البدء بتسريح عناصر من الأجهزة الأمنية وتحميل إسرائيل وأميركا من خلال سياسة الضغط والابتزاز مسؤولية تأزم هذا الوضع وتفاقمه، كل هذا التشخيص المتكرر سمعناه وقرأناه خلال الأشهر بل طيلة السنوات الماضية، حاول هذا التشخيص المتكرر التنصل من المسؤولية التي تتحملها القيادة الفلسطينية إزاء هذا الوضع، وما يلفت الانتباه إلى تصريحات رئيس الحكومة الأخيرة تزامنها من سلسلة فضائح تتعلق بزيادة رواتب وزراء الحكومة وزيادة نفقات بدل سكن لهم، وهذه المرة بقرار سياسي رئاسي في سياق واضح لخرق القانون وحتى دون أن ينشر ذلك في الجريدة الرسمية في محاولة للتغطية على هذه الفضائح من ناحية وللتأكيد أن وراء ذلك عدداً من الشركاء اللذين تتوحد مصالحهم في نهب الأموال العامة.

وعد رئيس الحكومة محمد شتية بأن تكون الاقتطاعات من رواتب الموظفين متساوية بين قطاع غزة والضفة الغربية إلاّ أنه قد تبين خلال راتبين للشهرين الماضيين أن نسبة الاقتطاع في الضفة الغربية 60% من راتب 100% بينما في قطاع غزة تم اقتطاع 60% من نسبة 70% أي الاقتطاع الأول بمعدّل يقارب 40% وليس 60% الأمر الذي عزز من عدم ثقة الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة بوعود رئيس الحكومة وتصريحاته.

ومن دون شك فإن استمرار الحصار الإسرائيلي والحروب الثلاثة التي شنتها الدولة العبرية على قطاع غزة والقرارات التي اتخذتها إدارة ترامب بوقف مساعداتها المالية للسلطة ووكالة الغوث وتراجع الدعم الدولي، إضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطة إزاء موظفيها في قطاع غزة المتمثلة من اقتطاعات وتقليصات الرواتب وفصل موظفين وإحالة عدد كبير منهم للتقاعد المبكر، كل ذلك وأكثر زاد من تدهور الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتفاقم هذا الوضع إثر قرصنة أموال المقاصة وقرار السلطة بعدم تسلمها إلاّ كاملة مع تلويح إسرائيلي متجدد بزيادة نسبة القرصنة ما يشير إلى مزيد من التدهور الاقتصادي خلال الأسابيع القادمة.

نحن هنا لا نحمّل الحكومات الفلسطينية المسؤولية المباشرة عن هذا الوضع إلاّ في سياق سوء الأداء والإدارة سواءً في الضفة الغربية أو لدى حركة حماس في قطاع غزة إذا أننا نرى أن أسباب هذه الأزمة تعود في الأصل إلى خلل بنيوي وليس مجرد سياسات خاطئة وإدارات فاشلة هنا وهناك ففي البداية كان الاحتلال عام 1967 السبب المباشر في هذا الخلل البنيوي عندما تعرض الاقتصاد الفلسطيني إلى إجراءات إسرائيلية أفقدته القدرة على النمو والتطور بعيداً عن تحكم الاحتلال عبر سياسات الأوامر العسكرية وبعد التوقيع على اتفاق أوسلو وبروتوكل باريس الاقتصادي الملحق به، بات الاقتصاد الفلسطيني تابعاً ورهيناً للسياسة والاقتصاد الإسرائيلي عن طريق ربط الاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي بنظام جمركي واحد ووضع صادرات وواردات السلطة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة مع التحكم بحركة المعابر للتجارة والأفراد ومنع السلطة من توقيع أي اتفاقيات تجارية مع دول عربية وصديقة بدعوى عدم وجود علاقة لإسرائيل مع هذه الدول، ما خلق اقتصاد فلسطيني مشوه غير قابل للنمو والتطور خاصة بعدما نجح الاحتلال بإيجاد فئات منتفعة صاحبة مصلحة ذاتية أسهمت في إشاعة أجواء فساد منظم غير قابل للعلاج على ضوء ضعف المؤسسات الرقابية من جهة وتحكم الفئات المستفيدة بالمؤسسات القانونية والقضائية الرسمية من جهة ثانية.

إن إلغاء اتفاق أوسلو وبالتالي ملحق باريس الاقتصادي وليس تعديلهما هي الخطوة الأولى في سياق البحث عن مخرج إلاّ أن ذلك وحده ليس كفيلاً بالخروج من الأزمة إذ يتوجب وضع عدة قوانين مثل قوانين حماية المستهلك وقوانين الاستثمار وقوانين تحرّم الاستيراد من دولة الاحتلال خاصة تلك السلع التي لها بديل محلي وتشجيع وتقديم حوافر للقطاع الخاص للقيام بدوره في التنمية وإعادة توجيه مساعدات الدول المانحة نحو التنمية المستدامة بديلاً عن الإغاثة والخدمات بالتوازي مع تفعيل أدوات مقاطعة إسرائيل وغني عن القول أن مثل هذه الخطوات لا يمكن أن تتحقق إلا بعد إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.