هاني حبيب يكتب: إسرائيل 2018.. التهديدات واحتمالات المواجهة

 

صدر منذ أيامٍ قليلة، التقرير السنوي الاستراتيجي لإسرائيل 2017 – 2018 عن معهد أبحاث الأمن القومي، متعدد الأبحاث الأكاديمية والدراسات الاستراتيجية، وعادةً ما يعد أحد أهم مراجع صنع القرار لدى القيادة الإسرائيلية، ومروجًا للسياسات والخطط الحكومية وراصدًا للتطورات المستجدة على الصعيدين الداخلي والخارجي في إسرائيل، حيث تركز التقرير الأخير الذي أعلنه الجنرال عاموس يادلين  مدير المعهد على ملامح البيئة الإستراتيجية الراهنة والتحديات التي تواجه الدولة العبرية والفرص المتاحة لتحقيق المصالح الإسرائيلية خلال العام الجاري.

وبالعودة إلى تقارير المعهد السنوية خلال السنوات الخمس الماضية، فإنّ تقرير عام 2013 تناول التحديات التي تواجه الدولة العبرية وكيفية التعامل معها في المستقبل المنظور، أما تقرير العام 2014، فقد تحدث عن التطورات في منطقة الشرق الأوسط والخطط الضرورية للتعامل معها، في حين تناول تقرير عام 2015 التهديدات الناجمة عن الأزمات التي تشهدها المنطقة وسبل الرد عليها، بينما تعامل تقرير عام 2016 مع ما وصفه بالبيئة غير المستقرة والتي يسودها عدم اليقين وموقف إسرائيل من هذه الأزمات، تقرير العام الماضي 2017 تركز على الوضع الإستراتيجي للدولة العبرية وسبل مواجهة التحديات والرد عليها، وكانت التقارير تفصل أحداث العام الماضي وتطورات الأوضاع ذات الطبيعة الاستراتيجية وقراءة منهجية لكيفية التعامل مع تداعيات هذه الأحداث خلال العام القادم تحديدًا، مع احتمالات تطور هذه الأحداث على المدى القصير والطويل، يخلص تقرير 2017- 2018 إلى أن احتمالات المواجهة في “الشمال”ما تزال ضئيلة (تم صياغة التقرير قبل اسقاط الطائرة الإسرائيلية مؤخرًا، أما الحديث عن “الشمال”، فهو مصطلح يتم التعامل معه للمرة الأولى، باعتبار أنّ المواجهة القادمة ستكون على الحدود مع سوريا ولبنان معًا، لذلك استخدم مصطلح “المواجهة الأولى في الشمال” أكثر من مرة)، و”داعش” تأتي في المرتبة الخامسة والأخيرة على سلم التهديدات لإسرائيل، في حين أنّ تأثير إيران على حماس مايزال أقلّ من تأثيرها على حزب الله والرئيس بشار الأسد، ويتوصل التقرير إلى أنه لا توجد أيّ جهة في المنطقة تقدم المبادرة إلى حرب على إسرائيل، ورغم أهمية الدور الروسي إلا أنه يبقى في إطار ناقل الرسائل والوساطات بين مختلف الأطراف.

ويحدد التقرير خمس جبهات للمواجهة المحتملة: قطاع غزة- سيناء (داعش)- الضفة الغربية- الحدود مع سوريا- الحدود مع لبنان، وأثناء دراسة كل جبهة من هذه الجبهات، عمد التقرير إلى آلية أطلق عليها “مقياس التصعيد”، ووفق هذه الآلية –على سبيل المثال-، فإنّ احتمالات المواجهاة العام الجاري 2018 “بالشمال”، تضاعفت، فبينما كان احتمال المواجهة العسكرية في السابق 1% أصبح الآن في مستوى 10%، ورغم ذلك ما زالت المواجهة ضئيلة، ويعود ذلك –حسب التقرير- إلى تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان.

على جبهة قطاع غزّة، يتحدث التقرير عن علاقة إيران بحركة حماس، ويقلل من تأثير طهران على قرار الحركة، يعود ذلك وفقًا للتقرير إلى انعدام الحدود بين إيران وقطاع غزّة، فموقف حماس الإيجابي في إنهاء الانقسام والتوصل إلى مصالحة فلسطينية داخلية والأهم من ذلك تطور العلاقات بين الحركة وجمهورية مصر العربية على الرغم من الاعتراض الإيراني، ما يشير ـ حسب واضعي  التقرير ـ إلى أنّ الاعتبار المركزي في علاقات حماس هو مصلحتها الفلسطينية وليس الاعتبارات الإيرانية.

لذلك، يرى التقرير أنّ اندلاع مواجهة إسرائيلية مع قطاع غزّة، ماتزال محدودة برغبة وإرادة الطرفين، إلا أنّ احتمال الخروج عن السيطرة يظلّ واردًا، نتيجةً لوقوع أحداث على الأرض، لذلك يجب أخذ هذا الأمر بالحسبان، خاصةً وأنّ إسرائيل نجحت بمواصلة الحفاظ على موقعٍ مريح لها، وعلى الردع والهدوء مع قطاع غزّة، ويشرح التقرير ذلك بعدة أمثلة، من بينها سقوط عدد من الشهداء في الجهاد الإسلامي عند تفجير النفق الخاصّ بها على يد الجيش الإسرائيلي، بدون أيّ تصعيدٍ يذكر على هذه الخلفية، كما يزعم التقرير!

ويتوسع التقرير في قراءة الوضع السياسي في الساحة الفلسطينية مؤخرًا، إنطلاقًا من حديثين بارزين، الأول يتعلق بوصول إدارة جديدة في البيت الأبيض وقرار الرئيس الأمريكي باعتبار القدس عاصمة إسرائيل، من ناحية، وقبول حماس بالتوجه إلى مصالحة فلسطينية إنطلاقًا من اتفاق جديد في القاهرة، في سياق علاقاتٍ أكثر تأثيرًا بينها وبين جمهورية مصر العربية، ويشير إلى أنّ استراتيجية أبو مازن “لتدويل الصراع” قد توقفت مع تغيير الإدارة الأمريكية، ويتوصل إلى أنّ الجانب الفلسطيني سيلجأ إلى “استراتيجية الدولة الواحدة”، من دون أن يشرح التقرير هذا الاستنتاج الغريب ومبرراته ومسبباته، لكنه يشير إلى أنّ الرئيس عباس بات يدرك اقتراب نهاية مهمته واستبداله، لذلك فهو يريد أن يترك بصمة تاريخية قبل مغادرته ـ حسب زعم التقرير ـ لهذا فإنه يُبدي حزمًا كبيرًا على غير عادته واستعداده للاقدام على بعض المخاطرات.

أما فيما يتعلق بالمصالحة وحركة حماس، فإنّ التقرير يلاحظ استبدال قيادة الحركة التي استوعبت الأثمان التي تدفعها حماس على صعيد الرأي العام الفلسطيني بسبب العزلة السياسية وفشلها في إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة، ما دفعها للتوجه نحو المصالحة، التي يرى التقرير أنها لن تصل إلى نهايتها بسبب مصير الجناح العسكري لحركة حماس ومشكلات تعيق انضمام الحركة إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

إلى أنّ التقرير يلاحظ أنه ليس بوسع حركة حماس تعطيل أيّ اتفاق محتمل يتم التوصل إليه بين إدارة ترامب وأبو مازن، مع أنّ هناك شكوكٌ متزايدة في إمكانية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق على خلفية ما يُسمى بصفقة القرن!