هاني حبيب يكتب: الدراما التركية.. «إكسسوارات» القوة العثمانية الناعمة

إجتاحت الدراما المكسيكية البيوت العربية منذ منتصف تسعينات القرن الماضي وسيطرت على الشاشة العربية قبل أن تحل محلها الدراما التركية، وبينما كانت “المكسيكية” مدبلجة باللغة العربية الفصحى تم دبلجة “التركية” باللهجة السورية.

اجتياح الدراما غير العربية للشاشات المحلية يعود لعدة أسباب فعندما أخذت الدراما المكسيكية تكتسح شاشاتنا العربية أواسط تسعينات القرن الماضي كان ذلك بالتزامن مع ما يسمى بعصر سياسة “الانفتاح الاقتصادي” في مصر، عندما سيطر القطاع الخاص على كافة عناصر الانتاج في البلاد بما في ذلك الانتاج الفني والأدبي وتراجع دور الحكومة في رعاية وتنظيم الأعمال الفنية، أدى إلى وضع حد لما بات يعرف “بالزمن الجميل” عندما كانت مصر تصدر إلى البيوت العربية كل ثقافتها من سينما ومسرح وأدب ورواية وشعر وموسيقى في ظل فخر عربي وثقافة متنورة واسعة الأفق، عصر الانفتاح هذا أدى إلى هبوط المستوى الفني على كافة الأصعدة ومن بينها الأعمال الفنية وعلى الأخص السينما والمسرح والمسلسلات التلفزيونية والموسيقى والغناء.

غزو المسلسلات المكسيكية أدى إلى تغيير في عادات المشاهدة لدى المتلقي العربي، إذ أن هذه المسلسلات طويلة جداً، حلقات متتابعة لأشهر ولفصول ولسنوات في بعض الأحيان، لذلك أطلق عليها “سوب أوبرا” البعض يقول أن هذا المصطلح يعود إلى أن المسلسلات الأمريكية النظيرة، كانت تبدأ مع إعلانات للصابون، لكننا نعتقد أن هذا التوصيف يعود إلى أنّ هذه المسلسلات تعتمد على التطويل المتعمّد، “رغي كلام” كالصابون الذي تزداد رغوته كلمّا تم الاحتكاك به وفي كثير من الأحيان لا يعود التطويل إلى مضمن المسلسل، لكنه مع ذلك ظل مسيطراً على البيوت العربية خاصة أنّ هذه المسلسلات إعتمدت على الدوبلاج باللغة العربية الفصحى وأعتبر ذلك في كثير من الأحيان عملاَ إيجابيا كونه يتيح المجال لهذه اللغة أن تسيطر على المشاهدة من المحيط إلى الخليج.

ومع بداية غزو الدراما التركية أوساط عام 2007 سيطرت هذه الدراما على الشاشة العربية بالنظر إلى جملة عوامل لعل من أهمها أن انتاج الدراما العربية لم ينشط إلاّ في موسم واحد وهو موسم شهر رمضان ويتراجع باقي الأشهر والفصول، كما أنّ الدراما التركية غنية بعناوينها وتنوعها وشموليتها وترضي مختلف الأذواق والمستويات إضافة إلى عامل البهرجة وتكاليف الإنتاج الباهظة، لكنها مع ذلك تتشابه إلى حدٍ بعيد مع الدراما المكسيكية من حيث اعتمادها على “سوب أوبرا” ويقال أنه يتم إدخال حوارات جديدة حتى أثناء التصوير إذا لزم الأمر، خروجاً عن السيناريو المعتمد سابقاً بهدف الإطالة وربما التشويق في بعض الأحيان للوصول إلى نقطة “العقدة” قبل نهاية كل حلقة لإجبار المشاهد على متابعة الحلقات التالية.

الدراما التركية غزت عدة مناطق جغرافية في العالم وليس فقط لدى منطقتنا العربية، غير أنّ توجه هذه الدراما خاصة التاريخية منها تحمل في طياتها أهداف سياسية واضحة ومحددة، ذلك أن هذه الدراما التاريخية، تم التوجيه بإنتاجها من قبل المستوى السياسي التركي، خاصة بعد بث مسلسل “حريم السلطان” من العام 2011 إلى العام 2014 والذي تناول الحياة الخاصة للسلطان “سليمان القانوني”، الأمر الذي أثار القيادة السياسية التركية خاصة رئيس الوزرءا أنذاك أردوغان الذي وجه انتقاداً ساخنا ً للمسلسل مدعياً أنه ينقل صورة مضللة وخاطئة ومشوهة عن السلطان القانوني، لذلك تم التوجيه بإنتاج مسلسلات تاريخية تتماشى مع رؤية حزب العدالة والتنمية حيث تم انتاج مسلسل “قيامة أرطغل” مؤسس  الدولة العثمانية عام 2014، وقد استقبل أردوغان الذي بات رئيساً للدولة أبطال المسلسل بملابسهم التاريخية ثم اصطحابه معه في بعض جولاتهم التاريخية كما حدث عندما زار قطر والكويت، ثم توالت المسلسلات التاريخية العثمانية مثل “عاصمة عبد الحميد” و”كوت العمارة” والذي يتحدث عن انتصار العثمانيين على البريطانيين في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى.

وإذا كان الربط بين غزو الدراما التركية وإنبعاث أفكار “العثمانية الجديدة” أمراً بات واضحاً إلاّ أن رسالة هذه الدراما يتجاوز أبعادها السياسية والتاريخية إلى جوانب ذات قيم اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، الانفاق السخي على الإنتاج خاصة في مجال الديكورات والملابس والأزياء والأماكن السياسية والأثاث له انعكاس واضح على عملية تسويق ممنهجة للمنتجات التركية وتشكل إعلانات غير مباشرة لكنها أكثر تأثيراً على المشاهد كما تخلف في السياق تأثيراً مبهراً وتأكيد للتجربة التركية كنموذج يجب أن يحتذى !.

غزو الدراما التركية لمنطقتنا العربية في سياق “قوة ناعمة” نشطلة ومؤدلجة يحمل في طياته اجتياجاً ثقافياً واقتصادية عدى عن كونه يحمل رسالة سياسية واضحة سواءً من خلال مضمونها أو من خلال “إكسسواراتها” المبهرجة.

يقول جبران خليل جبران : لا خير في أمة تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر !