هاني حبيب يكتب: تأثير إلغاء معاهدة «حظر الأسلحة النووية» على أوروبا والصين

بدعوى انتهاك روسيا لمعاهدة حظر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى الموقعة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عام 1987، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو انسحاب بلاده رسمياً من المعاهدة بعد انقضاء فترة انتقالية استمرت لستة أشهر منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هذا الانسحاب في شباط / فبراير الماضي.

واعتبر التوقيع على هذه المعاهدة قبل قرابة ثلاثة عقود إنهاء غير رسمي للحرب الباردة بين المعسكرين بزعامة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، غير أنّ إلغاء هذه المعاهدة مؤخراً يفتح من جديد بوابة ليس من السهل إغلاقها بسباق التسلّح رغم أعلان كلاً من موسكو وواشنطن على أن أيٍ منهما لم يسعى إلى مثل هذا السباق.

إلاّ أنه ومع بدء السريان الفعلي لإلغاء المعاهدة، أعلن البنتاغون بدء تطوير صواريخ جديدة كانت محظورة بموجب المعاهدة، في وقت بدأت فيه روسيا بإنتاج صاروخ متوسّط المدى أسرع من الصوت، وذلك في سياق عملية تحديث وتطوير أجيال جديدة من السلاح النووي لكلا البلدين.

المعاهدة المذكورة لم توفّر أثناء سريانها أي فرصة حقيقية للإتحاد السوفيتي ثم لروسيا لتوازن قدراتها النووية مع نظيرتها الأمريكية وظل حجم الترسانة النووية الأمريكية متفوقاً إلى حدٍ بعيد إذ بلغ هذا الحجم أربعة آلاف وستمائة سلاح نووي من بينها ألف وسبعمائة وأربعون سلاحاً نوويا جاهزاً للاستخدام الفوري بينهما هناك ألفان وتسعمائة وإثنين وعشرون ما زالت في المستودعات، في حين تقوم عشرة غواصات من سلاح البحرية المجهزة بأسلحة نووية بدوريات في مختلف أسقاع البحار والمحيطات وإذ تمتلك روسيا عدداً مقارباً من الأسلحة النووية إلاّ أنّ غواصاتها النووية في حالٍ متردية وتفتقر إلى الصيانة والتطوير والتحديث مما أدى إلى أصابتها بحوادث متكررة خلال السنوات الماضية.

التخوّف المبرر من بدء مرحلة من سباق التسلّح والإعراب عن مزيد من القلق من قبل حلفاء أميركا الأوروبيين والشركاء في حلف شمال الأطلسي يعود بدرجة كبيرة إلى رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التشاور والتنسيق معهم حول قراره بحظر المعاهدة ولهذا التخوّف والقلق له ما يبرره بالتأكيد ذلك أنّ الساحة الأوروبية القريبة من الإتحاد السوفيتي السابق وروسيا الحالية مهدت الطريق أمام نشر الصواريخ النووية الأمريكية على أراضيها قبل التوقيع على المعاهدة المذكورة لذلك تنفست أوروبا الصعداء بعد التوقيع على المعاهدة التي أدت إلى تدمير أو سحب معظم هذه الأسلحة من أراضيها واليوم، بعد إلغاء المعاهدة فإن أوروبا تتخوّف من أن تضطر في سياق الدفاع عن نفسها إلى نصب صواريخ نووية أمريكية على أراضيها مجدداً، وهي إذ ترفض ذلك حتى الآن إلاّ أن جملة التوازنات النووية قد تفرض عليها الاستجابة لمتطلبات ما يوصف بالدفاع عن النفس.

ونظراً للموقف الأوروبي الرافض حتى الآن نصب صواريخ نووية أمريكية على الأراضي الأوروبية فإن هناك دوراً صينياً يبرز بشكلٍ مركز على ضوء القرار الأمريكي بحظر المعاهدة، ذلك إن إحدى مبررات الرئيس الأمريكي لإلغائها، هو عدم مشاركة الصين فيها، الأمر الذي أتاح لها تطوير أسلحتها النووية دون أي قيود وجعلت منها قوة نووية كبيرة ومنافسة، لذلك يطلب الرئيس الأمريكية معاهدة جديدة تكون الصين إحدى الموقعين عليها.

والصين ما تزال في قلب الآثار المترتبة على حظر المعاهدة، فقد أشار وزير الدفاع الأمريكي الجديد “مارك أسبر” أن واشنطن ستسّرع في نشر صواريخ متوسطة المدى في آسيا، لاحتواء النفوذ الصيني في المنطقة” وردت بكين على هذه الإشارة محذرة ثلاثة دول من السماح بنشر صواريخ نووية أمريكية على أراضيها وهي استراليا وكوريا الجنوبية واليابان وهي الدول المرشحة حتى الآن لهذا الانتشار النووي الأمريكي الجديد.