هاني حبيب يكتب: تحولات اجتماعية أمريكية تثير مخاوف الدولة العبرية !

في سياق التحديات التي تواجه الدولة العبرية، تناولت النقاشات في أروقة مؤتمر هرتسيليا الذي ينظمه معهد السياسات والإستراتيجية الذي عقد قبل أيام قليلة، مسائل الأمن القومي ومدى قدرة إسرائيل على الانتصار في الحرب القادمة ومستقبل الدعم الأمريكي لإسرائيل والفعاليات المطلوبة لتجاوز مخاطر الدولة الواحدة وتأثير المتغيرات في القارة الأوروبية على إسرائيل والتحديات الداخلية التي تواجه المجتمع الإسرائيلي في ظل الحديث عن نهاية عهد دولة القانون والديمقراطية وتفشي العنصرية والعديد من القضايا ذات الطابع الاستراتيجي التي تتعلق بمستقبل الدولة العبرية.

بالعودة إلى مؤتمر هرتسيليا العام الماضي 2018 والذي عقد بمناسبة مرور 70 عاماً على قيام إسرائيل توصل المؤتمر في سياق توصياته إلى أنّ الدولة العبرية تعيش عصراً ذهبياً لم تشهده منذ سبعة عقود في سياق دعم أمريكي غير مسبوق وبحيث أنها لم تعد تخشى من أي تهديد وجودي بل المزيد من الأمن والاستقرار والتطور.

إلاّ أنّ مؤتمر هذا العام، يبدو أنه بدد كثيراً من تلك القناعات التي توصّل لها المؤتمر السابق التي أشرنا إلى بعض توصياته، إلاّ أن القضايا والمسائل التي ناقشها هذا المؤتمر كثيرة  ومتشعبة فإننا سنتناول في سياق هذا المقال القصير إحدى أهم المفاجآت التي انطوى عليها، إذ توصّل المؤتمر إلى ما قال أنها حقيقة تآكل التأييد الأمريكي لإسرائيل باعتباره تهديداً استراتيجياً !! والمفاجئة هنا أن الدعم الأمريكي لإسرائيل في ظل إدارة ترامب تجاوز الدعم إلى حدود المشاركة وتبنى المصالح الإسرائيلية بشكلٍ، مطلق مع ذلك وصلت بعض نقاشات المؤتمر إلى الإعراب عن تخوف متزايد من تراجع وشروخ بالإجماع التقليدي الأمريكي لدعم إسرائيل، ذلك أن تآكل هذا التأييد بصرف النظر عن أسبابه يشكل تهديداً استراتيجياً للدول العبرية!.

تذهب النقاشات حول هذه المسألة إلى أن الأمر لا يتعلق بالسياسات الخارجية مباشرة بل بالمتغيرات الداخلية والتحولات الاجتماعية على وجه الخصوص لدى الولايات المتحدة الأمريكية كمسألة الأعراق والمتغيرات الديمغرافية التي من شأنها أن تحيل مجتمع البيض إلى أقلية سكانية بينما تتزايد الهوة الطبقية بين الفقراء والأغنياء وانعكاس هذه العوامل على البنية التنظيمية للحزبين الجمهوري والديمقراطي على حدٍ سواء ففي الحزب الجمهوري تلحظ نقاشات مؤتمر هرتسيليا أن هناك بوادر مواجهة بين المحافظين والتقليديين والمعارضين لشعبوية ترامب أمّا لدى الحزب الديمقراطي فهناك احتمالات متزايدة سيطرة الفوضويين على زعامته إلاّ أن المؤشر الأكثر وضوحاً يمكن تبينه لدى حسم المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة القادمة.

وبينما تحظى عدة مسائل على النقاشات الاجتماعية الداخلية في الولايات المتحدة مثل حركة المثليين والاحتباس الحراري فإن الحديث عن القيم المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة تغيب هن هذه النقاشات وحل محلها الحديث عن حركة BDS  “اللاسامية” حسب نقاشات المؤتمر في الوقت الذي يتم فيه المس بمشاعر الأغلبية غير الأثودكسية في أوساط يهود أميركا اللذين يشعرون بالتمييز ضدهم حتى من جانب إسرائيل الرسمية “زلمان شوفال – معاريف”.

إن التصدعات في الدعم الأمريكي لإسرائيل مستقبلاً حسب قراءة المؤتمرين في هرتسيليا قد يكون من الصعب على الدولة العبرية التصدي الناجع لها لأسباب تعود إلى الفوضى السياسية الداخلية الناجمة عن جملة من التحولات في المجتمع الإسرائيلي وضعف قيم الديمقراطية والتوجهات العنصرية ولعل فشل تشكيل حكومة إسرائيلية مؤخراً للمرة الأولى في تاريخ الدول العبرية أحد أهم الدلائل على هذه الفوضى السياسية خاصة مع عقد انتخابات برلمانية للمرة الثانية خلال خمسة أشهر فقط ما يثير قلق العديد من المفكرين والمحللين الذين يرون أن الدولة العبرية في مثل هذه الأوضاع غير قابلة للتصدي لمثل هذه التصدعات التي باتت تشكل خطراً استراتيجياً على الدولة العبرية.