هاني حبيب يكتب: تحولات «الغيتو» اليهودي.. من التجمعات المالية إلى الجدران الأمنية!

“إننا قومٌ من صنع الغيتو ومن داخله تطورنا إلى شعبٍ برجوازي” هذا القول لتيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية المعاصرة في كتابه “دولة اليهود” والغيتو في الأصل يعني الحي الذي يقتصر السكن به على إحدى الأقليات الدينية أو القومية، إلاّ أن المصطلح كان مرافقاً دائما لليهود، حيث أقيم أول غيتو يهودي في مدينة البندقية الايطالية عام 1516 ويقال أنّ أصل الكلمة ألماني “جهك تار” التي تعني المكان المحاط بالأسوار، أو الكلمة العبرية “غيت” يمعنى الانفصال. هذا عن المكان، أما عن ساكن هذا المكان فهو موضع الاضطهاد والنبذ والكراهية والاحتقار، مغلق على ذاته ودينه وقومه بإستمرار ووفقاً لما اشارت له بعض الدراسات التي ناقشت مسرحية ويليام شكسبير “تاجر البندقية وفقاً لنموذج بطلها “شايلوك” الغيتو اليهودي كان وإستمر بإرادة اليهود أنفسهم، فهم الذين أقاموه وحولوه إلى مناطق تقتصر عليهم، إلاّ أن الأمر اختلف مع بدايات القرن التاسع عشر عندما اجبروا في أحيانٍ كثيرة من خلال المجتمعات الأوروبية إلى الاقامة في غيتوهات خاصة بهم كما أنّ النازية الألمانية حولت غيتوهات اليهود إلى معسكرات للإعتقال وتقييد الحريات والإبادة.

“الغيتو اليهودي التقليدي” يغلب عليه الطابع المالي الديني، إلاّ أنه بعد قيام الدولة العبرية عام 1948، بات للغيتو اليهودي معنى آخر إضافة إلى التزييف القومي بإعتبار أن الدين اليهودي قومية منفصلة فإن الغيتو اتخذ موقفاً أمنياً بإمتياز، وتحوّلت المستوطنات والكيبوتسات التي أقيمت قبل قيام الدولة العبرية من مجرد غيتوهات اقتصادية اجتماعية ودينية إلى معسكرات حربية عسكرية شنت من خلالها الهجمات المتواصلة على الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وبدلاَ من أن تنحصر هذه التجمعتات إلى داخل الغيتو فقد بدأت تنطلق إلى الخارج تحت عناوين أمنية عدائية وبعد أكثر من سبعة عقود على قيام الدولة العبرية فإن إسرائيل باتت مجرد غيتو يهودي أمني بإمتياز  دولة تضع نفسها بين الجدران والأسوار لعل أهمها جدال الفصل العنصري الذي تم إنهاء مرحلته الأولى عام 2002 الذي تحولت الضفة الغربية من خلاله إلى أربعة كتل منفصلة تسيطر إسرائيل على محيطها فيما بات يسمى بالخط الأخضر هذا الجدار أدانته محكمة لاهاي الدولية التي خلصت في رأيها الاستشاري إلى دعوة إسرائيل للتوقف الفوري عن بناء الجدار وتفكيك ما تم بنائه وإعادة الأوضاع لما كان عليه قبل البناء.

وهناك عدة جدران أقامتها إسرائيل حول ما تقول إنها حدودها، إحداها على طول الحدود مع جمهورية مصر العربية في شبه جزيرة سيناء وآخر مع الأردن بالقرب من إيلات وجدار بإرتفاع سبعة أمتار بالقرب من الحدود مع لبنان بينما هناك جدار بإرتفاع خمسة أمتار في هضبة الجولان المحتلة في سوريا.

إلا أن أهم المعازل الجدرانية التي أقامتها وتخطط لإقامتها دولة الاحتلال تقوم على تخوم قطاع غزة مع غلافه الاستيطاني، فقد أقرت سلطات الاحتلال مؤخراً بناء جدار ثاني في العمق الإسرائيلي بهدف توفير الحماية للمستوطنات والشوارع الإسرائيلية القريبة من الحدود وخاصة كحماية القطار الذي يسير في المنطقة المكشوفة بعد استهداف المقاومة لسيارة عسكرية بشكل مباشر قبل حوالي نحو شهرين الأمر الذي دفع حكومة نتنياهو لبناء هذا الجدار الذي يعتبر ثانياً على طول الحدود مع قطاع غزة، إلاّ أنّ ما يمكن أن يقال أنه تجاوزاً لكل أشكال الجدران التي أقيمت في شتى مناطق العالم فإن إسرائيل تقيم جداراً “تحت أرضياً” في عمق منطقة الحدود مع قطاع غزة وهو الأول من نوعه في العالم وذلك بهدف تلافي تسلل المقاومة من خلال الأنفاق تحت الأرضية التي أقيمت تحت المناطق الحدودية.