هاني حبيب يكتب: ترامب ونتائج الانتخابات النصفية.. خسارة مقلقة أم انتصار حزين؟!

103

 

سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اعتبار نتائج الانتخابات النصفية لتجديد الكونغرس، انتصاراً هائلاً له ولحزبه الجمهوري، مع أن الحزب الديمقراطي استعاد سيطرته على مجلس النواب بعد أن فقدها قبل ثمانية أعوام، ربما يعود ذلك من وجهة نظره إلى أن نجاح الحزب الجمهوري ليس فقط بالاحتفاظ بل بتعزيز سيطرته على مجلس الشيوخ سبباً للتوصل إلى أن هذه النتيجة “نجاح هائل”، إلاّ أن معايير الفوز والخسارة في هذا السياق تبدو ملتبسة إلى حدٍ كبير لذلك استخدمت وسائل الإعلام الأمريكية عناوين تعبّر عن هذا الالتباس عندما أشارت “انتصار بطعم الهزيمة” و “نجاح هائل أم خسارة مقلقة” و ” انتصار حزين” كما أشارت صحيفة واشنطن بوست.

يّمكن الادعاء أن هذه النتائج تشير إلى فوز ترامب وحزبه الجمهوري، لعدة أسباب تعود في معظمها إلى سلوك الرئيس الأمريكي خلال عامين من وجوده في البيت الأبيض، كانت هناك حالة من الخصام وربما العداء حتى من قبل بعض أركان حزب الجمهوري لسياساته الفوضوية والمرتبكة التي سادتها حالة واسعة من تعيينات مرتجلة وإقالات واستقالات لكبار طاقم الحكم في البيت الأبيض ومختلف الإدارات الحكومة، مع ذلك نجح الرئيس ترامب مع مضي الوقت في جمع شمل الحزب وراء سياساته الداخلية والخارجية على حدٍ سواء في مواجهة ناجحة مع رهانات الحزب الديمقراطي على تفكك وتحلل الحزب الجمهوري نتيجة لسياسات ترامب المرتبكة هذه وكما رأينا فإن كل هذا السلوك الفوضوي والمرتبك في البيت الأبيض لم يؤثر على شعبية ترامب في أوساط ناخبيه.

اتخذ ترامب سياسات شعبوية واسعة، تمخضت عن عداء للمرأة والمهاجرين والأقليات ووسائل الإعلام، مما أدى إلى رهانات على أن الانتخابات الانتصافية ستدفع هذه الفئات للازدحام على صناديق الاقتراع لإسقاط الحزب الجمهوري من سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب وبالفعل كان هناك إقبال غير مسبوق من قبل هذه الفئات على صناديق الاقتراع إلاّ أن ذلك لم يكن كافياً لانتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ لصالح الحزب الديمقراطي.

كما أن تعزيز سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ يعتبر انتصاراً بالغ الأهمية بالنظر إلى أن هذا المجلس يمتلك صلاحيات أوسع وأهم من تلك التي لمجلس النواب في صناعة القرار الأمريكي، كما أن فترة عضوية “الشيخ” السيناتور تمتد إلى ستة سنوات متصلة، ما يكسبه قوة وتأثيراً واستقراراً مقارنة مع عضو مجلس النواب الذي عضويته تستمر لوقتٍ أقصر، لذلك يُشكل مجلس الشيوخ داعماً أساسياً لسياسات وتوجهات الرئيس الخارجية والداخلية في حين أن تأثير مجلس النواب يقتصر على دعم الرئيس في سياساته الداخلية في الغالب.

ليس هناك من جديد في إطار خسارة مجلس النواب في أعقاب السنتين الأولتين لأي إدارة، فقد خسر الرئيس أوباما سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب بعد عامين من ولايته، وهو أمر متكرر تقريباً  في إطار الانتخابات الانتصافية للتجديد للكونغرس، ما يمكن معه القول أن فقدان سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب ليس استثناءً.

لذلك كله يمكن القول أنه بالرغم من السلوك الفوضوي المربك لترامب ومعاداة المهاجرين والأقليات والمرأة والإعلام إلاّ أنّ ظل حزبه محافظاً على شعبيته التي أوصلته إلى البيت الأبيض في مفارقة مفاجئة قبل عامين، وأن الأصوات التي انتخبته آنذاك لا تزال على ما هي عليه وقادرة على فوزه المحتمل في الانتخابات القادمة في حال كان مرشحاً من الحزب الجمهوري.

مع ذلك، فإن هذا الفوز بطعم المرارة، كما يقول البعض فليس صحيحاً أن صلاحيات مجلس النواب أقل أهمية وتأثيراً من مجلس الشيوخ على القرار الأمريكي، فلمجلس النواب صلاحيات بالغة الأهمية في نواحٍ عديدة، من أهمها مراجعة قرارات الرئيس حول سياساته الداخلية، كالضرائب والتأمين الصحي، وكذلك مراجعة جملة التحقيقات التي ما تزال جارية حول دور روسي في فوز الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية قبل عامين وكذلك العودة إلى جملة الإقالات التي قام بها ترامب للتستر على هذه التحقيقات، ولعل إقدام ترامب على إقالة وزير العدل بعد 24 ساعة من الإعلان عن نتائج الانتخابات لدليل على مدى القلق الذي يعتور ترامب جراء سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب ورداً مباشراً على زعمه حول انتصاره “الهائل”، إلاّ أن الأهم من ذلك كله، تلك الصلاحية لمجلس النواب في استجواب ومساءلة الرئيس والمطالبة بعزله، مع أن قرار العزل مناط بثلثي أعضاء الكونجرس إلاّ أن مشاغلة الرئيس خلال المساءلة والاستجوابات ستشكل عائقا هاما أمام قراراته وسياساته وإلحاق الأذى بسمعته على الصعيد الداخلي وربما الخارجي، حيث أن رئيساً ملاحقاً وضعيفاً من الصعب عليه رسم سياسة خارجية فعالة وموثوقة، من هنا سيشكّل مجلس النواب شوكة في حلق قرارات ترامب الداخلية السابقة واللاحقة، ولن يكون سهلاً عليه تمرير بعض الملفات التي سبق وأن أعلن عنها مثل القانون حول منع مواليد المهاجرين في أميركا من الحصول على الجنسية الأمريكية على سبيل المثال.

هل ستؤثر نتائج هذه الانتخابات على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟ الجواب وبتحفظ كلاّ، لعاملين أساسين الأول يتعلق في أن رسم السياستين الخارجية والدفاعية من صلاحيات الرئيس حصرياً، يضاف إلى ذلك أن ترامب سيجد دعماً واسعاً من مجلس الشيوخ الجمهوري الذي يمتلك صلاحيات تتعلق بالاتفاقيات وميزانيات الدعم المالي والدفاعي للدول الحليفة مما سيساعد الرئيس على اتخاذ سياسات خارجية دون تأثير فعال من قبل مجلس النواب، أما السبب الثاني فيكمن في أنه لا يوجد خلافات جوهرية حول السياسات الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط بين الحزبين، هناك خلافات في بعض التفاصيل والمواقف إلاّ أن على ضوء استمرار سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ فإن هذه السياسة لن تلحظ إلاّ تعديلات طفيفة خاصة فيما يتعلق برؤية الرئيس ترامب حول ما يسمى بصفقة القرن وكذلك قد تشهد هذه السياسة بعض التعديلات خاصة فيما يتعلق بالموقف في كل من سوريا واليمن وإيران والأزمة الخليجية.