هاني حبيب يكتب: “ترامب” يعلن الحرب على “أوبك” !!

703

 

 

وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال كلمته أمام منتدى أسبوع الطاقة الروسي في موسكو الأسبوع الماضي، رسالة لنظيره الأميركي دونالد ترامب قائلاً : “إذا كنت تريد أن تبحث عن المذنب في زيادة أسعار النفط الأخيرة، ما عليك ألاّ أن تنظر في المرآة” ويأتي هذا القول في سياق الحرب التي شنها ترامب و وإدارته مؤخراً على منظمة “أوبك” والدول المصدرة للنفط، في وقتٍ وصل فيه سعر برميل النفط إلى ما يقارب 85 دولاراً في ارتفاع هو الأكبر منذ أربعة سنوات، في وقت تحاول فيه إدارة ترامب تسويق مكتسبات لصالح الحزب الجمهوري قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس الشهر القادم من خلال الضغط لخفض أسعار النفط لكي يسجّل ذلك باعتباره إنجازاً لإدارة ترامب والحزب الجمهوري.

قبيل اجتماع منظمة أوبك بالجزائر أواخر الشهر الماضي، غرّد الرئيس الأميركي منذراً ومهدداً على تويتر : نحن نحمي دول الشرق الأوسط ومن دوننا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون دفع أسعار النفط للأعلى، سنتذكر ذلك، على منظمة أوبك المحتكرة للسوق دفع الأسعار للانخفاض الآن.

انتهت تغريدة ترامب دون أن تستجيب أوبك لهذا الإنذار ذلك أن الوضع الراهن يُشكّل توازناً واستقراراً مقبولاً بين العرض والطلب رغم تراجع الصادرات النفطية الإيرانية بسبب العقوبات الأمريكية والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مع الالتزام بزيادة الإنتاج والتصدير في حال طلب ذلك من قبل شركات التكرير التي لم تتقدم بمثل هذا الطلب ما يشير إلى أن ليس هناك حاجة إلى زيادة ضح المزيد من النفط للأسواق في الوقت الراهن، هذه كانت مبررات أوبك لعدم الاستجابة لإنذار وتحذير ترامب.

في العام 2016 وسعياً إلى تغيير إتجاه أسعار النفط المتراجعة ودفعها إلى الصعود، قررت أوبك مع روسيا وآخرين خفض الإمدادات النفطية بواقع 1,8 مليون برميل يومياً، ولكن في حزيران / يوليو الماضي وبعد أشهر تجاوزت فيها أسعار الخفوضات المستوى المتفق عليه لأسباب عديدة من بينها عدم التزام بعض الدول بحصصها المقررة وتراجع إنتاج فنزويلا وليبيا ونيجيريا بسبب الأوضاع الأمنية الداخلية لهذه الدول، اتفقت أوبك وحلفاؤها على العودة إلى نسبة الامتثال الكامل 100%، أي ما يعادل مليون برميل يومياً وهذا يتطلب زيادة الإنتاج الروسي 250 ألف برميل يومياً والإبقاء على مستوى الإنتاج السعودي قرابة عشرة ملايين برميل ونصف يومياً.

حرب إدارة ترامب على أوبك لم “تنجح” إلاّ في إنشاء تحالفات جديدة من شانها الاتحاد في مواجهة هذه الحرب والتصدي لإدارة ترامب، ونقصد هنا بشكلٍ أساسي تعزيز التعاون النفطي بين السعودية وروسيا، بعد نزاعٍ خفي بين الرياض وموسكو بين عامي 2013- 2015 بسبب الملف السوري، عندما زادت السعودية من ضخ المزيد من النفط في الأسواق في مواجهة مع الاتحاد الروسي في ذلك الوقت، التحالف الجديد يُشكّل رداً ملائماً على الحرب الأمريكية والذي تجلى في قرار منظمة أوبك الأخير في الجزائر بعدم الاستجابة لتحذيرات ترامب عندما لم يقرر اجتماع أوبك زيادة الإنتاج في الوقت الراهن على الأقل، وتبين من هذا القرار أن التحالف الروسي السعودي من شانه أن يقلب الموازين ويخفف من دور واشنطن السياسي في إطار الحملة الانتخابية الانتصافية للكونغرس في الشهر القادم مع العلم أن الولايات المتحدة تعتبر من أكير الدول المنتجة للنفط ولكن مصافيها تحتاج إلى نوع البترول الخام المستورد وهو “النفط العربي الخفيف” والذي يتم إنتاجه بشكلٍ أساسي في السعودية وهو اللازم لإنتاج البنزين للمستهلك الأميركي العادي وشركات الطيران.

وفي إطار الحرب المعلنة أمريكياً على أوبك، وعدم استجابة هذه الأخيرة للإنذار الأميركي لزيادة الإنتاج والتصدير وقيام التحالف النفطي السعودي الروسي، تسعى إدارة ترامب من خلال الكونغرس إلى إحياء قانون قديم يطلق عليه “منع التكتلات الاحتكارية لإنتاج وتصدير النفط” والذي يسمى قانون “نوبك” والهادف إلى إلغاء الحصانة السيادية التي تمتعت بها أوبك حتى الآن وبحيث يسمح هذا القانون بمقاضاة منتجي أوبك بتهمة التواطؤ باعتبار أن تقييد إنتاج النفط أو الغاز أو تحديد أسعارها مخالفاً للقانون الأميركي.

إلاّ أنّ فرص إحياء هذا القانون تبدو ضئيلة بالنظر إلى عدة عوامل، فرغم أن هناك تجاوباً مع هذا القانون من قبل إدارة ترامب، بخلاف كافة الإدارات الأمريكية السابقة التي استخدمت الفيتو رافضة له، فصلاً عن ذلك هناك معارضة واسعة من قبل مجموعات الأعمال وشركات النفط الأمريكية خشية من احتمال قيام الدول الأخرى لاتخاذ إجراءات مضادة، كما أن هناك القليل من الوقت أمام مجلس النواب الأميركي لمناقشة هذا القانون حيث ستنتهي دورته البرلمانية هذا الأسبوع، وهناك أولوية لمناقشة قوانين تحظي بالأولوية على قانون “نوبك”.

الواقع أنه ليس من مصلحة أوبك وتحالفاتها النفطية رفع الأسعار لتصل إلى 100 دولار للبرميل كما تتوقع بعض مراكز أبحاث النفط والطاقة، فإن لذلك ردود فعل تتعلق بأزمة اقتصادية وتراجعات في التطور الصناعي إضافة إلى أن هذا الارتفاع سيكون مؤذيا للاقتصادات الناهضة والمزيد من الإفقار للاقتصادات الفقيرة فعلاً، من هنا فإن أوبك معنية بتوازن السوق النفطي، لأن ارتفاع الأسعار من شانه في المستقبل أن يؤدي إلى تراجع الطلب نظراً لأزمات الركود الاقتصادي على النطاق العالمي، هذا التوازن ليس تلبية لتحذيرات ترامب بقدر من يتعلق بالمسؤولية التي تتحملها منظمة أوبك علماً أنها لا تسهم إلاّ في 41% من سوق النفط العالمي، لكنها مع ذلك تتحمل عبء استقرار السوق حماية للتجارة الدولية بينما يسهم ترامب وإدارته في شن حرب تجارية لأهداف محلية بالدرجة الأولى.