هاني حبيب يكتب.. حرب الذكاء الاصطناعي الأمريكية الصينية والدور الإسرائيلي

عادت شركة الهواتف الصينية النقالة “هواوي” لتنفي مجدداً القيام بنفسها أو عبر أي من فروعها أو الشركات التابعة لها بإرتكاب أي من انتهاكات للقانون الأمريكي وأنها لا دور لها بأي ممارسات غير قانونية قامت بها المديرة المالية للشركة “مينغ” التي تم اعتقالها في كندا بإيعاز من السلطات القضائية الأمريكية أواخر العام الماضي التي تطالب واشنطن بمحاكمتها لديها، وذلك في ظل الصراع بين الولايات المتحدة والصين من أجل الهيمنة على تكنولوجيا وحرب المعلومات والذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً.

واقع الأمر أن الخلاف بين البلدين حول التكنولوجيا المتقدمة كان محور العلاقات الحساسة بين إدارة أوباما السابقة والصين، على خلفية تجارية_تقنية محورها اتهام واشنطن إلى بكين بإنتهاك حقوق الملكية الفكرية على الجانب التقني وخفض مصطنع للعملة الصينية “اليوان” بأقل من معدلها المالي على الصعيد التجاري، وهي الخلافات التي أدت إلى حرب مستعرة في ظل الحرب التجارية والتقنية لدى إدارة “ترامب” الحالية والتي اتخذت أبعاداً أكثر خطورة وحساسية لما لهذه الحرب من تأثيرات مباشرة على الأمن القومي الأمريكي وذلك بعد اتهام واشنطن لبكين باختراق ملف العقوبات الأمريكية على إيران وكوريا الشمالية وسرقة التكنولوجيا الأمريكية والأسرار التجارية بما في ذلك صناعة الريبوتات إضافة إلى التلاعب بالأسواق الأمر الذي تقول واشنطن أنه أدّى إلى تحوّل الصين من اقتصاد ناشئ إلى ثاني اقتصاد عالمي قادر على التوسّع ومنافسة الاقتصادي الأمريكي.

الأبعاد الأمنية تبدو وكأنها في خلفية هذه الحرب الإلكترونية التي تتخذ سياقات تجارية تنافسية، إلاّ أنها في الواقع إحدى أهم دوافع هذا الصراع بعدما تبيّن للولايات المتحدة الدور الخطير الذي تلعبه التكنولوجيا الصينية في مجال المعلومات والتجسس، وهي المجالات التي كانت ولا تزال حكراً على القدرات التكنولوجية الأمريكية، في أوائل العام الماضي نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية نقلاً عن مسؤولين في الاتحاد الإفريقي أن تحقيقات أجراها خبراء في الاتحاد في العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا” كشفت عن أن الصين التي قامت ببناء مقر الاتحاد قبل ستة أعوام كإهداء للاتحاد الإفريقي وكرمز للصداقة الإفريقية الصينية قامت بزرع أجهزة تجسس في المكاتب والمصاعد وقاعات الاجتماعات والتي نقلت كل ما جرى من مناقشات وأنشطة وفعاليات إلى نقطة تبعد 8000 كيلو متر، تبين فيما بعد أنها تقع في هونغ كونغ وبكين.

ولدى عقد قمة أميركا وكوريا الشمالية في كل من سنغافورة وفيتنام طلبت الاستخبارات الأمريكية من المسؤولين الحكوميين المشاركين فيهما، بنزع بطاريات هواتفهم خشية من اختراق صيني لهذه الهواتف، وفي أكتوبر _ تشرين أول الماضي، نشرت صحيفة لفيغارو الفرنسية أن أجهزة الأمن في باريس قد توصلت إلى معلومات تفيد أن الاستخبارات الصينية تستهدف مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالمهنيين “لينكد إن” وأن الصينيين نجحوا في الحصول على معلومات واسعة ودقيقة وغنية في المجالات الاقتصادية والمهنية وأسراراً صناعية بالغة الأهمية.

كما تتخوف أميركا وحلفاؤها الأوروبيين من سعي الصين إلى تعزيز هيمنتها في مجال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي بعدما أرسلت طلابها لدراسة المواد العلمية المرتبطة بهذه التقنيات في الجامعات الأمريكية والأوروبية، إذ تعتبر الصين أكبر مصدّر للطلاب المبتعثين للخارج بعدد يتجاوز 600 ألف طالب في وقت زاد فيه الإنفاق الصيني في هذه المجالات من عشرة مليار دولار عام 2015 إلى واحد وعشرين مليار دولار عام 2017، الصين استخدمت هذه الأرقام التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية لتدافع عن نفسها في وجه الاتهامات بسرقة حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وتقليد المنتجات الغربية لأن إنتاجها يتم داخل حدودها ومن خلال انجازاتها المباشرة وابتكاراتها الخاصة بعد نجاحها في إنشاء منظومة متكاملة للصناعات التقنية والالكترونية بجهودها الذاتية.

الولايات المتحدة من جانبها وضعت العديد من النظم ومنصات الرقابة الالكترونية بهدف الحد من أي إمكانية اختراق صيني سيبراني غير أنها ما تزال تخشى أن مثل هذا الاختراق قد يحدث من خلال التعاون الصيني مع حلفاء أوروبيين وإسرائيل إذا أن هذه الأطراف ما تزال تشكل خطراً على امتداد الاختراق الصيني للولايات المتحدة من خلالها خاصة أن هذه الأطراف لا تمتلك كل هذا التخوف والحذر أو القدرات الرقابية على مواجهة مثل هذا الاختراق.

فقد دعت دراسة صدرت مؤخراً عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب إلى متابعة الصراع الأمريكي _ الصيني إلى متابعة حول سوق التكنولوجيا الدولي بعدما طلبت واشنطن من حلفائها باختيار جانب في هذه المنافسة، واتخاذ جانب الحذر ضد التعامل مع الشركات الصينية وإن على إسرائيل أن تحذو حذو كل من بريطانيا وأستراليا ونيوزيلاندا وتقاطع شركات الاتصالات الصينية لاعتبارات الأمن القومي.

ومع أن إسرائيل وبتوصيات من سلطة حماية المعلومات التابعة لجهاز الأمن العام “الشاباك” لا تسمح للصين ببناء بنية تحتية للاتصالات وتمتنع عن إدخال مركبات صينية في أجهزتها، إلاّ أنها تسمح بتركيب أجهزة اتصال صينية داخل منشآت بنية تحتية إستراتيجية مثل الموانئ والسكك الحديدية التي تبنيها أو تشغلها شركات صينية مثل ميناء حيفا الجديد والقطار البلدي في تل أبيب كما أن شركة “توغا نيتوورك” التي تقع في مدينة هود هشارون وسط إسرائيل، تعمل كمركز تطوير إسرائيلي لشركة “هواوي” الأمر الذي أثار مخاوف الدراسة المشارة إليها من أن معلومات أمنية عسكرية قد تنتقل إلى الصين من خلال هذه النظم لذلك حذرت الدراسة من افتتاح معرض لمنتجات رقمية صينية كالهواتف الخليوية والدراجات الكوركنت الكهربائية والأجهزة التلفزيونية وكاميرات بأسعار رخيصة مما قد يسهم في اختراق صيني، خاصة بعد التعاقد بين إسرائيل والصين لبناء مدن ذكية إسرائيلية من خلال شركات صينية.

وعلى الجانب الآخر فإن الصين بدورها تستورد تكنولوجيا إسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي مما قد يقود إلى أزمة مع الحليف الأميركي في سياق الحرب الإلكترونية بين واشنطن وبكين ذلك أن التكنولوجيا الإسرائيلية تستمد الكثير من مكوناتها من التكنولوجيا الأمريكية، مما يُشكل خطراً وتأثيراً على الأمن القومي الأميركي من ناحية واختلال ميزان القوى الالكترونية لصالح الصين.