هاني حبيب يكتب: شكوك حول دعم روسي للأحزاب الشعبوية والقومية في أوروبا

وأخيراً، تم تشكيل الحكومة الايطالية الجديدة، هذا الخبر عادي في إيطاليا التي شهدت أكبر نسبة مقارنة مع كافة الحكومات الأوروبية تشكيلاً  للحكومات منذ الحرب العالمية الثانية، وتعتبر حكومة كونتي الأخيرة الحكومة رقم 96 منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بمعدّل ثلاثة عشر شهراً لكل حكومة، إلاّ أنّ التشكيل الحكومي الأخير يختلف تماماً من حيث الأسباب والنتائج حول ما قيل عن تدخّل روسي لدعم القوى الشعبوية في إيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي بشكلٍ عام.

وكان نائب رئيس الحكومة السابقة ووزير داخليتها “ماتيو سالفيني”، زعيم رابطة الشمال والسيناتور في مجلس الشيوخ الايطالي، قد أثار العديد من الجدل من حيث ارتباط حزبه الشعبوي بالاتحاد الروسي، وشاعت العديد من الشبهات حول دعم روسي لتوجهات سالفيني المعادية للإتحاد الأوروبي والهجرة، واعتبر طول فترة مشاركته في الحكومة السابقة، رجل ايطاليا القوي الذي تربطه بالرئيس بوتين علاقات قوية، الأمر الذي أثار الشكوك مجدداً حول الدور الروسي في أوروبا والرامي إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي من خلال دعمه وتأييده بكافة الوسائل والتدخلات لصالح القوى القومية والشعبوية على حساب الأحزاب الديمقراطية المسيحية والأحزاب ذات التوجهات الليبرالية واليسارية، فمنذ توليه منصب نائب رئيس الحكومة ووزيراً لداخليتها طوال أربعة عشر شهراً وقف سالفيني في المواجهة واعتراض على قرارات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية، مما أدّى إلى أزمة سياسية واستقالة الحكومة على أثر اعتراض سلفيني على قراراتها مما أدى لتشكيل الحكومة الجديدة بتحالف بين حركة الخمسة نجوم والحزب الديمقراطية وطرد رابطة الشمال وزعيمها سالفيني.

لما يزيد عن عام على حكومة كونتي الأولى كانت معظم الدول الأوروبية تراقب الأوضاع المستجدة في إيطاليا نظراً لشكوك حول دور سالفيني وتاثيره ليس فقط على إيطاليا بل على عموم دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب شبهات قيل أنها موثقة لتنسيق مواقفه مع الرئاسة الروسية، ومع أن هذه الدول أبدت ارتياحاً معلناً لسقوط سالفيني مؤخراً إلاّ أن ذلك لم يحدث لمجرد حراك سياسي ناتج عن أزمة سياسية في إيطاليا بقدر ما ينطوي الأمر على شكوك متزايدة بأن هناك جهوداً إستخبارية أوروبية أمريكية، كانت وراء هذا السقوط المدوي لرابطة الشمال وزعيمها سالفيني إثر عدة تسريبات تفيد بتأثير روسي على السياسة والمواقف التي انتهجها هذا الأخير، وكانت صحيفتا ألباييس وإسكيريسو قد نشرتا بشكلٍ ممنهج ومفصّل إلى ما يشير إلى صفقات تجارية وعمولات حول صفقة شراء إيطاليا للغاز الروسي، وكذلك صفقة مالية بين موسكو وحركة رابطة الشمال لتمويل حملتها الخاصة بالانتخابات الأوروبية قبل عدة أشهر، وهي الصفقة التي ما تزال رهن التحقيقات القضائية التي قيل أنها تعتمد على تسريبات مسجلة من قبل الاستخبارات الأمريكية حسب وسائل الإعلام الايطالية.

ومع بداية الحملات الانتخابية للبرلمان الأوروبي في مايو – أيار الماضي أخذت العديد من وسائل الإعلام الأوروبية تركّز على شكوك كبيرة حول تلاعب روسي لصالح اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية، كما حدث – حسب هذه الوسائل – بالانتخابات الأمريكية والفرنسية، وإستفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.

الحرب الإلكترونية التي تشنها روسيا على أوروبا من خلال التأثير على انتخاباتها ودعم القيادات القومية اليمينية والقوى الشعبوية بدأت أكثر وضوحاً وتحديداً إثر العقوبات الاقتصادية التي أقرها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد ضمّها لشبه جزيرة القرم عام 2014، وتعتمد روسيا في هذه الحرب على عدة وسائل في طليعتها وكالة أبحاث الانترنت بسان بطرس بورغ، وجهاز الأمن الفيدرالي الروسي ، “أف. إس .بي” والاستخبارات الخارجية “جي آر يو” إضافة إلى قنواتها الفضائية الموجهة باللغات العديدة ومواقعها الالكترونية وتحليلات الأكاديميين والخبراء والحسابات المجهولة خاصة على “تويتر” لبث تحليلات وتفسيرات خاطئة حول الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الدول الأوروبية بهدف زعزعة الاستقرار وتقوية شوكة الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية، حسب بعض وسائل الإعلام الأوروبية.

وبطبيعة الحالة فإن موسكو تنفي كل هذه الاتهامات التي تعزوها إلى محاولة شيطنة روسيا والتغطية على رفض شرائح اجتماعية متزايدة في أميركا وأوروبا للفكر الليبرالي، إلاّ أن الأدلة حول تورط روسيا وتدخلها في أوروبا، ما تزال قيد التداول من خلال تحقيقات عديدة تجريها العديد من المحاكم في أوروبا كما هو الحال في أميركا.