هاني حبيب يكتب: موسم الهجرة إلى الجنوب.. ماذا يريد العرب من قمة شرم الشيخ ؟

استحضرت من ذاكرتي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي السوداني الطيب صالح والتي تعتبر من أوائل الروايات التي تناولت العلاقة بين الشمال والجنوب من ناحية التحولات السياسية والثقافية في سياق الحقب الاستعمارية التي كانت موسماً لهجرات الاستعمار من الشمال إلى شعوب الجنوب التي ظلت مستعمرة من قبل دول الشمال إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، استحضرت هذه الرواية في سياق القمة العربية / الأوروبية الأولي التي ستعقد في شرم الشيخ في الرابع والعشرين من شباط / فبراير الجاري، بإعتبار أنّ هذه القمة موسماً لهجرة الشمال إلى الجنوب .. هذه المرة.

ولكن، لماذا تعقد هذه القمة الأوروبية العربية الأولى على أرض جمهورية مصر العربية، وما هي دلالاتها؟، جاءت فكرة عقد هذه القمة قبل عام بالضبط، عندما تقدّمت مصر في فبراير / شباط العام الماضي، أثناء قمة البحر الميت بالأردن بإقتراح يقضي بتوسيع دائرة التعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية في إطار جامعة الدول العربية، وهكذا تلقى الاتحاد الأوروبي هذه الفكرة وأخذت طريقها للتنفيذ، غير أن عقد هذه القمة على الأرض المصرية له دلالة أكثر أهمية، ذلك أن مصر قادت عملية التحوّل الكبرى في سياق الثورات العربية والأفريقية ضد الاستعمار الأوروبي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ويؤرخ لنهاية الاستعمار في المنطقة العربية والقارة الأفريقية انطلاقاً من الدور المصري المساند للثورات التي نجحت بطرد الاستعمار من تلك البلاد بفضل الإسناد السياسي والمادي، ومصر عندما تستقبل الدول الأوروبية على أرضها في شرم الشيخ وكأنها تستعيد هذا الدور وإن بشكل مختلف من دعم الثورات إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة استحقاقات يفرضها الواقع الراهن : الإرهاب والهجرة والفجوة الاقتصادية والحضارية بين الشمال والجنوب.

ومادام الحديث عن الحقبة الاستعمارية، فلا بد من التذكير أن الدول الاوروبية الاستعمارية نادراً من اعترفت بمسؤولياتها عن هذه الحقبة، وإن اعترفت فإنها لا تعتذر عن هذا الماضي الاستعماري الأسود وتأثيره المباشر القائم على النهب والسلب والقتل والتدمير، الأمر الذي أدّى إلى تزايد الفجوات بين الشمال والجنوب من ناحية وتزايد التخلف الاقتصادي والثقافي والحضاري ومن ناحية ثانية لذلك فإن على هذا المؤتمر أن يطالب تلك الدول بالاعتذار والتعويض عن كل ما نتج عن هذه الحقبة الاستعمارية من أذى وخطر على شعوب الجنوب من قبل دول الشمال، ولا يبدو أن هذا الأمر متاحاً في الوقت الراهن، إذا ما عرفنا أنه لم يتم الاتفاق على جدول أعمار المؤتمر أثناء الاجتماع الوزاري الذي عقد في بروكسيل أوائل الشهر الجاري الأمر الذي أدّى إلى أن يُصرّح أمين عام الجامعة العربية إلى أن هناك تعقيدات في الجانب الأوروبي أكثر من الجانب العربي الأمر الذي حال دون التوصّل إلى اتفاق حول جدول الأعمار في بروكسل.

عدم التوصل إلى توافق حول جدول الاعمال يعود إلى حقيقة أن هناك انقسامات واضحة لدى المجموعتين، الاتحاد الأوروبي كما هو الحال لدى الدول العربية، خمسون دولة، 28 هي دول الاتحاد الأوروبي و22 دولة هي الأعضاء في جامعة الدول العربية، لكل تجمع همومه وأولوياته، كما لكل دولة مطالبها وأولوياتها وحتى في حال التوصل إلى عناوين عامة متوافقاً عليها فإن من شان الاغراق في التفاصيل أن تظهر الانقسامات انعكاساً لرؤية مختلفة حول التفسير والأولويات.

مع ذلك، فإن نجاح المؤتمر، رهناً بالتوافق على مجمل التحديات التي تواجه الطرفان، والبناء عليها من أجل مصالح المجموعتين، ويعتمد على جمهورية مصر العربية بهذا الشأن لجسر الهوة بينهما والتوصل إلى تفاهمات لابد منها لإنجاح المؤتمر.

الاتحاد الأوروبي المنقسم داخلياً ليس فقط بسبب خروج بريطانيا عنه، ولكن لتزايد المد الشعبوي واليميني في النظام السياسي الأوروبي الأمر الذي أدى إلى خلافات حادة على مسألتين هامتين الموقف من الإرهاب والموقف من الهجرة، بينما الجانب العربي لا يقل انقساماً وتفتتاً على خلفية تداعيات “الربيع العربي” العرب أقل وحدة واستقرارا وأكثر انكساراً وتراجعاً في التأثير على الحلبتين الاقليمية والدولية، وهنا لا بد من السؤال هل يتفق المنقسمون في المجموعتين على الحد الأدنى لمواجهة التحديات الخطيرة أم سيقال أن مجرد عقد المؤتمر هو بمثابة نجاح له ؟!