هاني حبيب يكتب: هل يستبدل الاتحاد الأوروبي المركز بالأطراف لقيادته ؟!

شهدت الأشهر الأخيرة من العام الماضي 2019، جملة من التحولات ذات الدلالة التي من شأنها أن تثير السؤال التقليدي، أوروبا الموحدة إلى أين؟، وفي جوهر هذه التحولات ما يتعلق بخروج بريطانيا وتزايد احتمالات وصول التيار الشعبوي المعارض للإتحاد إلى السلطة في عددٍ من دوله، وربما العلامة الأكثر دلالة قرار مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل التخلي على رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي على إثر نتائج الانتخابات الأخيرة، ما يعني تخليها عن زعامة ألمانيا بعد عامين إثر قيادتها لثلاثة عشر عاماً متصلة، وربما ما ستحدثه انتفاضة ” السترات الصفراء” من تحديات، ما قد يؤثر مباشرة على الدور الفرنسي الذي كان دائماً داعماً لألمانيا تجاه الوقوف بصلابة أمام التحديات التي أضعفت الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة ناهيك عن احتمالات بإمتداد ظاهرة “السترات الصفراء” إلى دولٍ أوروبية أخرى الأمر الذي من شأنه تكرار السؤال حول مستقل الاتحاد الأوروبي.

لقد شكّل الانقسام في الرأي العام البريطاني حول مسألة الخروج أو البقاء في الاتحاد الأوروبي عام 2016 ضربة قاسمة لأسس الاتحاد، ليس فقط لأن حوالي 52% من البريطانيين صوتوا لصالح الخروج من الإتحاد لكن لأن التجربة البريطانية هذه ربما ستشجع العديد من الدول المتأرجحة في الاتحاد إلى استنساخها، مع ذلك فإن الانقسام البريطاني وصعوبة خروج بريطانيا من الاتحاد حتى الآن في سياق “البريكست” من شأنه أن يهدئ من جذوة المنادين بالخروج من الإتحاد في بعض الدول الأوروبية، خاصة وأنه في حال عدم تمكن “تيريزا ماي” رئيسة الحكومة البريطانية من الحصول على موافقة البرلمان على خطتها للخروج فإن هناك عدة سيناريوهات بديلة إمّا تمديد مدة التفاوض، وهذا يتطلب موافقة جميع دول الاتحاد، ويمكن في هذه الحالة تمديد الموعد الرسمي للخروج البريطاني من الاتحاد في مارس / آذار القادم، أو الخروج من دون اتفاق في حالة رفض الاتفاق من قبل البرلمان ما سيكون له نتائج كارثية على الاقتصاد البريطاني، لذلك فإن البديل الأمثل في نظر البعض  هو بتنظيم استفتاء جديد، باعتباره المخرج الوحيد بعد وصول البريكست إلى طريق مسدود من خلال الخيارين السابقين، ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي يشجع هذا الخيار عندما أصدرت محكمة العدل الأوروبية قراراً في ديسمبر/ كانون أول الماضي يقضي بأن لبريطانيا الحق في التراجع عن قرارها دون الحاجة إلى موافقة باقي الأعضاء، ويسجّل هذا القرار دعماً وتشجيعاً للرأي العام البريطاني بعقد استفتاء جديد تشير كافة استطلاعات الرأي أنه سيحظى بمباركة استمرار بريطانيا وعودتها إلى الاتحاد.

الدولة المرشحة للالتحاق بالتجربة البريطانية هي إيطاليا، بعد تشكيل حكومتها بنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة من تحالف حركة “خمسة نجوم” وحزب “رابطة الشمال” اليميني المتطرف وهما أقل حماساً بالبقاء في إطار الاتحاد الأوروبي خاصة بعد رفض هذا الأخير لموازنة الحكومة الإيطالية التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة مما يشجع الأوساط المنادية بالخروج من الاتحاد وإلى الدعوة لما بات يسمى “ايطاليا إكست”  رئيس لجنة الموازنة في مجلس النواب الايطالي قال أن بلاده ستكون أفضل حالاً إذا خرجت من “منطقة اليورو” كخطوة للخروج نهائياً من الاتحاد الأوروبي.

لكن ايطاليا التي تعتبر ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو تستفيد اقتصادياً خاصة في ضوء أزمتها الحادة الراهنة من القروض الميسرة من الاتحاد بفوائد منخفضة، وهي بأمس الحاجة لهذه القروض التي لولاها لكان من الصعب معالجة أزمتها الاقتصادية المستفحلة، من هنا يمكن القول أن ايطاليا ستتردد كثيراً قبل أن تستنسخ التجربة البريطانية خاصة في حال فشلها واختيار بريطانيا الخيار الثالث وهو عقد استفتاء جديد.

وقد أدى نجاح ماكرون في المواجهة مع مرشحة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف برئاسة ماري لوبان في فرنسا ما يشير إلى أن الشعب الفرنسي ما زال متمسكاً بقوة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي وتعزيز وحدته، حتى خصوم ماكرون صوتوا لصالحه ليس فقط في المواجهة مع اليمين المتطرف، ولكن أيضاً في المواجهة من النزعات الداعية للخروج من الاتحاد الأوروبي في توافق تام مع ألمانيا الأمر الذي أدّى إلى التوصل بينهما إلى اتفاق لإصلاح منطقة اليورو في حزيران / يونيو  الماضي.

إلاّ أن الاندماج المتزايد للاقتصاد الفرنسي في إطار الاقتصاد الأوروبي قد يُشكّل لدى البعض الدعوة للخروج من الاتحاد مبرراً ذلك باعتباره سبباً في الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى انتفاضة “السترات الصفراء”.

وباعتقادنا أن الخطر الأكبر على الاتحاد الأوروبي يعود إلى ضعف وتراجع قيادته المتمثلة بتحالف فرنسي ألماني بعد جملة المتغيرات التي أشرنا إليها، ذلك أن الخطر لا يكمن فقط في سياق الشعبوية المتزايدة لدى دول الاتحاد بل بإضعافه من الداخل من خلال تشكيلات وتكتلات لم تكن تقوى أمام النفوذ والسطوة التي مكنت التحالف الألماني الفرنسي من قيادة الاتحاد في السنوات السابقة لذلك فإن ضعف هذا التحالف سيسمج لهذه التكتلات من نخر الاتحاد من الداخل، ويجري الحديث عن احتمال تشكيل كتلة من دول أوروبا الشرقية والشمالية : السويد والدنمارك فندلاندا واستونيا هولندا ولاتفيا وبريطانيا في حال استمرارها بالاتحاد واحتمالات تشكل تكتلاً أخر يضم التشيك وبولندا واسلوفاكيا والمجر، وهي الدول التي وقفت معاً في مواجهة مع ألمانيا على خلفية حصص استقبال اللاجئين، هذان التكتلان في حال تشكيلهما وإن بطرق غير مباشرة أو معلنة من شأنه أن يزيد من الانقسامات الخطيرة على وحدة الاتحاد من الناحية العملية.

وفي سياق المفاهيم القومية لدى دول الاتحاد الأوروبي لا بد من النظر إلى وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض وتأثير ذلك على تعزيز هذه المفاهيم القومية المتعصبة، وهناك أرضاً خصبة لهذه النزعات التي كانت ولا تزال تشكّل الخطر الداخلي الداهم على وحدة الاتحاد الأوروبي، وإذا لم يتمكن الاتحاد من معاجلة أوضاعه الاقتصادية بالدرجة الأولى وتوفير مستوى لائق من الحياة لمواطنيه فإن نمو هذه النزعات من شأنه نخر الاتحاد الأوروبي من الداخل.

جملة هذه المتغيرات من شأنها التأثير بشكلٍ مباشر على مواقف الاتحاد الأوروبي على الملف الفلسطيني الإسرائيلي لصالح الدولة العبرية ذلك أن هناك توافقاً في الايدولوجيات والخلفيات في سياق الشعبوية والعنصرية بين القوى الصاعدة في إطراف الاتحاد وإسرائيل عكس ما كان الأمر عليه عندما كانت قيادة الاتحاد لدولتي المركز ألمانيا وفرنسا مما يستوجب اتخاذ ذلك بالاعتبار ونحن نتفحص مستقبل مواقف الاتحاد الأوروبي إزاء هذا الملف.