ياسر عرمان محرر المهمشين.. مناضل من الشمال إلى جنوب السودان

بعد سقوط نظام البشير، ونجاح الثورة الشعبية في تطهير السودان من رموز حكم استمر أكثر من ثلاثة عقود.. عاد المناضل والسياسي السوداني المعارض، ياسر عرمان، إلى السودان ـ في 25 مايو/ آيار ـ بعد ثماني سنوات من الغياب، على الرغم من حكم الإعدام الصادر بحقه منذ عام 2014.. لم يتعرض «عرمان» للاعتقال، ولم يواجه أي مشكلات مع السلطات السودانية عند وصوله الى مطار الخرطوم، على متن طائرة إثيوبية، ولكنه كشف عن رسائل من المجلس العسكري السوداني الانتقالي تطالبه بمغادرة البلاد، وبعد أسبوع تقريبا ـ في 5 يونيو/ حزيران ـ اعتقلت قوات أمنية سودانية، ياسر عرمان، وتم ترحيله  إلى مكان مجهول!

  • القيادي السوداني المعارض، يعد أحد أشد المعارضين لحكم الرئيس السابق عمر البشير، وكان يرى البشير «ميت سياسيا»، واستشرف عرمان نجاح الحراك السوداني في عزل البشير، إذ قال من منفاه خارج السودان : «أنا على يقين من قدرة الشعب السوداني على تغيير النظام، وستظهر قوى اجتماعية جديدة في المشهد السياسي، أعتقد أن قصة البشير قد انتهت».

 

ويتولى ياسر عرمان، منصب نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال).. والحركة الشعبية هي حركة مسلحة تقاتل الحكومة السودانية في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان منذ عام 2011..وساهم بقدر كبير في تحرير (إستقلال) جنوب السودان، واستحق تكريم الجنوبيين له بنصب تمثال (صغير) يمين تمثال الزعيم قرنق.. وكان قد انضم منذ وقت مبكر ما بين 1983 و 1986 إلى صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحاز  على ثقة الزعيم السابق جون قرنق  في وقت مبكر من انضمامه إلى الحركة الشعبية، وأصبح قائداً عسكرياً، ومتحدثاً رسمياً باسمها ، وهو يحظى بدعم عدد كبير من الأدباء والمثقفين، ويعتبر من أبرز الداعين إلى الوحدة ونبذ العنصرية.

عمل «عرمان» مذيعا في القسم العربي للإذاعة التي أطلقتها الحركة في إثيوبيا، كما ابتُعث ممثلا للحركة في إريتريا، وانضم  للجناح العسكري للحركة، الذي حمل اسم «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، وذلك في خضم الحرب التي استمرت بين شمال السودان وجنوبه لمدة عشرين عاما.. ثم تولي مناصب قيادية، من بينها الناطق الرسمي باسم الحركة، ونائب الأمين العام لقطاع الشمال، ومع انتهاء الحرب عام 2005، ساهم عرمان في صياغة اتفاق نيفاشا للسلام الشامل بين الشمال والجنوب، وانتُخب في البرلمان ضمن حصة الحركة.

  • ولم تدم حالة الهدوء طويلا بين الحركة والحكومة السودانية، إذ اعتُقلت قيادات الحركة، ومن بينهم عرمان، عام 2009 بتهمة تنظيم مظاهرة احتجاجا على تأخر تمرير القوانين في البرلمان..وسعى عرمان بعد خروجه لمنافسة البشير في انتخابات الرئاسة عام 2010، لكن الحركة الشعبية لتحرير السودان أعلنت انسحابه في مارس/آذار من نفس العام.

 

وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011، شكل الآلاف من مقاتلي الحركة الشعبية المتحدرين من الولايات الشمالية حركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال..واستمرت الحركة في معارضة نظام البشير، وقادت تمردا مسلحا ضده في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، المتاخمتين للحدود مع جنوب السودان..وظلت الحكومة السودانية تتهم الحركة بالتبعية وتلقي الدعم العسكري والمالي من الحركة الشعبية الأم في جنوب السودان، وقد ترأس عرمان وفد الحركة للتفاوض مع نظام البشير في أثيوبيا. لكن المفاوضات انتهت بالفشل.

 

  • ومازال يحاول تحرير بقية المهمشين في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وفي دارفور، بدليل مطالبته بالحكم الذاتي والإبقاء على جيشه بعد توقيع إتفاقية سلام مع الحكومة، الإبقاء على جيشه أيضاً لتنفيذ ديموقراطية «الهجمة والنجمة».. ويقصد  من ليس معنا(النجمة) فهو ضدنا(الهجمة)..

 

عرمان ينتمي إلى قبيلة الجعليين  العربية في شمال السودان،  نفس القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع عمر البشير.. ولد في مدينة طابت بولاية الجزيرة،  في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1961، ودرس الحقوق في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وتخرج فيها عام 1986.وكانت الجامعة هي نقطة انطلاق عرمان إلى عالم السياسة، حيث كان قياديا في التنظيم الطلابي للحزب الشيوعي، وفور تخرجه من الجامعة، انشق عن الحزب، وهرب إلى الخارج ليلتحق بالحركة الشعبية لتحرير السودان، التي أسسها جون قرنق عام 1983 في جنوب السودان، وكان عرمان مكسبا سياسيا للحركة، كونه من الشماليين القلائل الذين انضموا إليها.

 

  • وهو متزوج من ابنة السلطان، من السلاطين المحليين في جنوب السودان ، ولهما ابنتان.

.

ويقول الكاتب  والمفكر السوداني، عثمان ميرغني، إن عودة عرمان لوطنه، كانت تحمل «رسالة قوية في كل الاتجاهات.. أول سطر فيها إنه حان وضع البندقية أرضاً ورفع رايات العمل السياسي، فهي دعوة لكل الحركات المسلحة أن تشرع في ترتيبات العودة للمساهمة في بناء وطن يكفيه أكثر من ستين عاماً من الدماء والحروب..ياسر عرمان رجل ناضل وبذل عمراً طويلاً بين الأحراش والكهوف.. نختلف معه في الوسيلة ولكنا نقر ونعترف أنه من أجل المبادئ دفع ريعان الشباب النابه.. وحان الآن قطاف هذه السيرة الطويلة لتتحول إلى منصة إلهام سياسي وتنوير للأجيال الشابة حتى يدركوا أن بناء الأوطان له ثمن..وبدلاً من مواصلة مسلسل المفاوضات في عواصم العالم تحت رعايات آخرين.. سيكون ملفتاً لنظر العالم كله أن يشاهدوا أول جولة تفاوض هنا في قلب الخرطوم أو أية مدينة أخرى سودانية يتفق عليها الجميع».