«18 بقرة مطلوبة» من قوات الاحتلال.. قصة تختصر قصة وطن

رياض أبو عواد يكتب عن فيلم يروي وقائع فلسطينية من تاريخ الانتفاضة

لعل من أجمل الأفلام التي يمكن مشاهدتها في عروض أسبوع الفيلم الفلسطيني هو فيلم ” 18 مطلوب” لأهمية قصته والتصورات التي قدمها المخرج عامر الشوملي والرؤية السياسية التي شارك فيها من وثق معهم المخرج.

الحكاية تبدأ عام 1988 في العام الأول من الانتفاضة الفلسطينية الأولى حين اتخذت مدينة بيت ساحور بالقرب من رام بيت لحم موقفا موحدا تجاه رفض دفع الضرائب للاحتلال، واكتفت ذاتيا من منتجات الألبان ومقاطعة شركة الألبان الصهيونية المسيطرة على الأسواق في الأراضي المحتلة.

وقرر أهالي البلدة الذين لا يتجاوز عددهم حينها 10 الآف مواطن شراء أبقار تكفيهم من منتجات الألبان ضمن الحد المعقول في بلد لا يتعامل فيها الأهالي مع هذا النوع من الحيوانات.

اشترى الفلسطينيون 18 بقرة من رجل يهودي يعيش في كيبوتس من حركة السلام الآن ثم عادوا بها إلى البلدة لتصبح مزارا.

اكتشفت قوات الاحتلال قصة البقرات وفرض الحاكم العسكري على الأهالي أن يتخلصوا من الأبقار إلا أنهم قاموا بتهريبها من مكان إلى مكان، ويقومون بتوزيع الحليب على أهالي البلدة بطرق سرية ومخفية واضطروا إلى نقل الأبقار من مكان لمكان بعد إصرار الحاكم العسكري على التخلص منها كسرا للإرادة الصهيونية.

ومن خلال الحديث عن الأبقار يتم تناول الإبداعات التي حققها أهالي البلدة للاكتفاء الذاتي من خلال العمل المشترك الزراعي، من زراعة الأراضي بالمحاصيل الزراعية التي تحتاجها البلدة بشكل تعاوني وتنظيف الشوراع أيضا بشكل جماعي للحفاظ على نظافة البلدة.

وضمن السياق، يتم تقديم تصور عن علاقة أماكن إخفاء الأبقار أيضا كأماكن للمناضلين الملاحقين من قوات الاحتلال واستخدموا نموذجا فرديا متميزا هو الشهيد أنطون الشوملي قبل استشهاده على إثر توقيع ياسر عرفات معاهدة أوسلو.

ويبرز الفيلم كم  التنظيم والقدرة على الإدارة الذاتية لأهالي القرية في مواجهة الاحتلال، معتبرين أن هذا قد يصل بهم إلى الانتصار إذا ما استمروا فيه وأن الانتفاضة ستطول وهم بحاجة لزيادة تنظيم أمورهم وإنتاجهم.

مع تصوير بعض المغامرات مثل توزيع الحليب سرا على الأبواب واستخدام سيارة الإسعاف من قبل الطبيب والصيدلي المسموح لهما بالخروج أثناء منع التجول لتوزيع الحليب على عائلات البلدة خصوصا التي لديها أطفال. وكيف حول الأهالي أيام منع التجول الطويلة إلى أيام تسلية وتحدي حيث تجد عائلات تشوي اللحم ويعيشون حياتهم على الشرفة متحدثين من جيرانهم في الشرف المقابلة أو الملاصقة لهم دون اهتمام بمنع التجول.

ويقدم المخرج أسلوبا رائعا في كل هذه الأحداث من خلال ربطه الروائي مع التوثيقي مع الصور المتحركة عندما يجعل الأبقار تتحدث ويقدم من خلالها رؤيته بمستوياتها المتعددة، لتكون أحيانا ساخرة وأحيانا تكون تراجيدية، وأحيانا تكون بمنتهى الجدية وأحيانا أخرى وصفية، واستطاع من هذه الخلطة أن يقدم صورة من الإبداع الذي تنتجه الشعوب في مواجهة أعداءها.

وهذه الحالة الخاصة التي خلقتها بلدة بيت ساحور الذي يصور الفيلم في شوارعها وبيوتها جعل منها نموذجا يحتذى لبقية البلدات الفلسطينية مما دفع القوات الإسرائيلية لمحاولة كسر هذه الحالة بالقوة فبدأت بملاحقة الأبقار من جهة وملاحقة الأهالي واعتقالهم في حالة رفضهم دفع الضرائب لحكومة الاحتلال إلا أن أهالي البلدة نجحوا في تهريب الأبقار وفي نفس الوقت تقدموا للاعتقال بقناعة تامة على أن لا يقوموا بدفع الضرائب لحكومة الاحتلال.

حتى أن وزير الجيش في حينه إسحق رابين أكد على ضرورة كسر مقاومة أهالي بيت ساحور وإجبارهم على دفع الضريبة لحكومته بل إنهم نهبوا البضائع وأثاث البيوت من أجل فرض هذه الضرائب، إلا أن الموقف لم يتزحزح وهذا ما دفع البرلمان الأوروبي بما في ذلك بريطانيا صاحبة إعلان إقامة الكيان الصهويني على أرض فلسطين طالبوا بوقف الإجراءات والممارسات التي تتعرض لها بلدة بيت ساحور على مدار السنوات الست التي استغرقتها الانتفاضة.

 

ومن خلال الحديث عن استشهاد عضو الجبهة الشعبية الفتى الفاعل في بيت ساحور أنطون شوملي وحديث أمه ونساء وشباب من بيت ساحور من بينهم أصدقاء له تشاركوا لوداع الانتفاضة بالقيام بمظاهرة ضد الاحتلال بعد أن قام عرفات بتوقيع اتفاقية أوسلو حيث لحق به الجنود دون غيره وأطلقوا النار عليه فاستشهد في اللحظات الأخيرة للانتفاضة رافضا ما قامت به قيادة الخارج بقيادة عرفات والمهندس لهذه الاتفاقية رئيس السلطة الحالي أبو مازن.

ويتحدث غالبية الذين وثق لهم الفيلم عن أن البلاد كانت على بوابة انتصار كبير إلا أن “قيادة الخارج تريد منع وجود قيادة داخلية فسارعت بتوقيع اتفاقية أوصلتنا لما أوصلتنا إليه الأن من زيادة عدد المستوطنين والمستوطنات وزيادة تقطيع الأراضي الفلسطينية أنها بمقام الهزيمة”.