في ذكرى النكبة: «اختراع» التاريخ اليهودي

71 عاما من عمر آخر جيب استعماري في التاريخ الإنساني.. وعجزت دولة الاحتلال «إسرائيل»، أن تخلق تاريخا موثقا لليهود في فلسطين.. وكشف «ويليام درايميل» في كتابه عن القدس بعنوان «المدينة المسحورة»، تفاصيل موثقة عن الجهد الذي بذلته دولة الاحتلال منذ العام  1948 (تاريخ النكبة العربية الكبرى)  إلى سنة 1995 في التنقيب عن آثار تدل على تاريخ يهودي في فلسطين، ولم تستطع اكتشاف ماض يبني عليه حاضر ومستقبل!! وهو ما أجمع عليه علماء آثار يهود بأنه لا يوجد أي أثر يهودي في القدس، رغم السنوات التي قضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في البحث عن آثار يهودية في المدينة، من خلال عمليات الحفر في جنبات المدينة، لإثبات يهوديتها.

 اختراع التاريخ اليهودي

وهي نفس الرؤية التي كشف عنها الكاتب الأمريكي اليهودي «كيث ويتلم» في دراسة بعنوان (اختراع التاريخ اليهودي القديم.. وخنق التاريخ الفلسطيني كله).. ويقول «ويتلم»: إن نتائج الحفريات التي جرت في القدس منذ عام 1964 وحتى اليوم، أكدت الحقائق التاريخية والأثرية التالية:

  • أن الآثار الموجودة فوق سطح الأرض من كنائس، ومساجد، وعقارات، ومدارس، وأديرة، وتكايا، وزوايا، هي عربية، وبيزنطية رومانية من عهد «هدريان» الذي هدم القدس هدما تاما وحرثها، ولم يبق حجرا على حجر، فتساوى الهيكل بالأرض بحيث لم يبق أي أثر من عهد داود أو سليمان أو ملوك بني إسرائيل داخل أسوار القدس.

 

  • وأن تخطيط القدس في أسوارها وشوارعها وموضع كنائسها وأبنيتها العامة ينطبق على (خارطة مأدبا) إحدى المدن الأردنية الأثرية، التي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي.. ونتيجة لهذه الدراسات، قررت منظمة اليونسكو، إزاء الأخطار التي تهدد القدس الغنية بالتراث الحضاري والإنساني، أن تسجل المدينة على قائمة الثروة الحضارية العالمية، وفي محاولة لمنع إسرائيل من إستئناف حفرياتها، ووقف التغييرات التي تحاول إدخالها على التنظيم المدني للمدينة.

 

أوهام فكرة «القومية اليهودية»

وسبق للمؤرخ الإسرائيلي «شلومو ساند» أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة تل أبيب، والذي استطاع عبر كتابه الأشهر «اختراع الشعب اليهودي» أو  «متى وكيف اخترع الشعب اليهودي»، أن يكشف زيف فكرة القومية اليهودية ، فهو يؤكد أن «الشعب اليهودي آت من الكتاب المقدس، بمعنى أنه شىء خيالي تم اختراعه بأثر رجعي».. ويقول ساند: «أنا مثل بقية الإسرائيليين اعتقدت بأن اليهود كانوا شعبا يعيشون في يهودا، وأن الرومان نفوهم عام 70، ولكن عندما بدأت أنظر إلى الأدلة اكتشفت أن النفي هو أسطورة، حيث لم أجد أي كتاب تاريخي يصف أحداث النفي، وأن السبب في ذلك هو كون الرومان لم ينفوا أي شعب من فلسطين، وأن معظم اليهود في فلسطين كانوا فلاحين، وكل الأدلة تشير إلى أنهم مكثوا على أراضيهم، أما فكرة الشعب اليهودي أو القومية اليهودية التي بنيت على أساسها الصهيونية، وأنشأت دولة إسرائيل، فهي أسطورة اخترعت منذ نحو قرن واحد..»، إذن من يكون اليهود الموجودون اليوم بإسرائيل ؟ وما حقيقة الرابطة الأثينية والبيولوجية التي يعتقدون أنها تجمعهم ؟ !

  • هذا السؤال طرحه وأجاب عنه « شلومو ساند » في كتابه قائلا : إنه لا وجود لقومية يهودية أو شعب يهودي واحد، يعود في أصوله العرقية والبيولوجية إلى جذور منفردة، كما يزعم الفكر الصهيوني، وإنما هناك الدين اليهودي، الذي ينتسب أتباعه إلى قوميات واثنيات وجغرافيات متعددة، وأن القومية اليهودية مشروع صهيوني، تطورت بذوره في القرن الـ19، متأثرا بالقومية الألمانية، ومع تجذر عصر القوميات في أوروبا، حيث قام الصهاينة باستنساخ التجربة، بخلق واختراع قومية يهودية، ليست موجودة سواء من الناحية التاريخية أو العلمية، فقد اعتبر اليهود أنفسهم شعبا لمجرد اشتراكهم في ديانة واحدة، ثم شرعوا في خلق تاريخ قومي لهم، باختراع فكرة الشتات والعودة إلى أرض الميعاد.

«تزوير» التاريخ التوراتي

وقد قامت هذه الفكرة، أو «الاختراع الصهيوني» للقومية اليهودية، على ركنين أساسيين، ينتميان إلى التاريخ التوراتي غير الدقيق: الركن الأول هو فكرة الشتات اليهودي.. أما الركن الثاني فهو كون الدين اليهودي لم يكن دينا تبشيرية، بل ظل محصورا بالجماعة الأثينية التي حملته واعتنقته في بداياته، ومما يعني بحسب الإدعاء الصهيوني أن الشتات الذي طرد من فلسطين وبقى على قيد الحياة ، يعود في جذوره إلى القبائل اليهودية الأصلية التي هجّرت من فلسطين، وأن اليهودية لم تدخلها أجناس أخرى أثرت على نقاء العرق اليهودي، وهو الأمر الذي يتنافى تماما مع حقيقة أن اليهودية لم تختلف عن غيرها من الديانات في نزوعها نحو التبشير، وإقناع أفراد وقبائل وشعوب أخرى بالدين الجديد.

 

إدارة الحركة اليهودية باتجاه فلسطين

وترتبط إدارة الحركة اليهودية بإتجاه فلسطين، بعقد اجتماع المحفل اليهودي الأكبر (سنهدرين) في باريس، عام 1807 والذي رأسه الإمبراطور نابليون بونابرت بعد عودته من حملة مصر وإعلان نفسه إمبراطورا لفرنسا، وطرح في المحفل مشروعه لدولة يهودية في قلب الضلع الذي يضم مصر وسوريا !! ثم تحرك زمن القصة مع تحرك ثيودور هيرتزل، وعقد مؤتمر صهيوني في مدينة بازل السويسرية بمشاركة كل القوى المطالبة والمؤيدة لاستيطان اليهود في فلسطين .. وهكذا بدأت إدارة الحركة اليهودية بإتجاه فلسطين ، وبكل وسائل وفنون التآمر ، ومناورات الخديعة.

 

العنصرية والتوسع

والشاهد أن عام 1948 لم يسجل فقط النكبة العربية، ولكنه تولى الإعلان عن أول سابقة في العالم ، بمولد دولة بلا حدود أو ترسيم جغرافي لسلطاتها ونفوذها، وبعقيدة حدود للدولة : تتمدد باستمرار مع مدى ما تصل إليه قوة جيشها !! ويقول المفكر الفرنسي « رجاء جارودي» في كتابه  «فلسطين أرض الرسالات السماوية» إن السمتين الرئيسيتين للسياسة الإسرائيلية هما: العنصرية والتوسع.. وأن المبدأ الأساسي الذي يربط إحداهما بالآخر، قد صاغه بكل وضوح « تيودور هيرتزل» في جريدته، وهو يروي محادثاته مع الأمير «هو هنلوه» مستشار الإمبراطورية الألمانية، وكتب هيرتزل يوم 8 أكتوبر/ تشرين أول 1898 يقول: «سألني الأمير عن الأراضي التي ننوي الحصول عليها، هل ستكون إلى الشمال حتى بيروت، أم أبعد من ذلك؟ قلت له: سوف نطلب ما نحتاج إليه، وكلما زاد المهاجرون يجب أن تزيد الأرض»!!

 

بريطانيا خلقت «الوطن القومي».. وأمريكا خلقت «الدولة اليهودية»

والإعلان عن مولد «إسرائيل» فوق جغرافية فلسطين العربية ـ 15 مايو / آيار  1948 ـ لم يكن حدثا عابرا خلقته المصادفات، ولكنه جاء في نطاق تسلسل خطوات وحوادث وتحركات، سبقت بتحديد الأهداف..ويستعرض كتاب «إستراتيجية الاستعمار والتحرير» للدكتور جمال حمدان، تزامن تلك البدايات مع آخر موجة كبرى من موجات الاستعمار الأوروبي الحديث ـ في القرن التاسع عشر ـ ثم تزامن تحقيق أهدافها مع نهايات عصر الاستعمار بوجه عام.. وكان من المستحيل منذ البداية أن يتحقق (الحلم) إلا بالمساعدة الكاملة من قوى السيادة العالمية، وحسب تحرك مركز الثقل في زعامة الإمبريالية، فكانت بريطانيا هي التي خلقت «الوطن القومي» منذ الحرب العالمية الأولى، بينما خلقت الولايات المتحدة «الدولة اليهودية» منذ الحرب العالمية الثانية !!